● المظلومية السياسية… كيف تتحول الحقوق إلى وقود للصراع؟
في الحلقة السابقة تناولنا كيف تُصنع صورة “الآخر” داخل الوعي الجمعي، وكيف تتحول الهوية من إطار انتماء طبيعي إلى أداة إقصاء وصراع. وخلصنا إلى أن المشكلة لا تكمن في الاختلاف، بل في طريقة تحويله إلى أداة سياسية.
في هذه الحلقة ننتقل إلى مستوى آخر أكثر تعقيداً في بنية الصراع السياسي والاجتماعي، وهو: كيف تتحول القضايا العادلة والحقوق المشروعة إلى “مظلومية سياسية” تُستخدم في إعادة إنتاج الأزمة بدل حلها؟
فالمظلومية في أصلها تعبير عن اختلال في العدالة أو غياب للإنصاف، وهي بذلك تمثل صرخة مشروعة داخل أي مجتمع. لكن هذا المعنى يتغير جذرياً عندما تتحول المظلومية من مطلب إصلاح إلى أداة تعبئة سياسية دائمة.
هنا لا تعود القضية مرتبطة بجبر الضرر أو تصحيح المسار، بل تصبح مرتبطة بإنتاج سردية مستمرة من الشك والاتهام، تُستخدم لتفسير كل شيء، وتبرير كل موقف، وتعبئة كل صراع.
إن أخطر ما في المظلومية السياسية أنها قابلة لإعادة الإنتاج بلا نهاية. فحتى بعد تحقيق بعض المطالب، يمكن إعادة صياغة الإحساس بالغبن في مستويات جديدة، مما يجعل حالة التوتر مستمرة داخل المجتمع، ويمنع الوصول إلى نقطة استقرار حقيقية.
وتتغذى هذه الحالة عادة على ثلاثة عناصر رئيسية: ذاكرة تاريخية مثقلة، وخطاب سياسي تعبوي، وشعور دائم بانعدام الثقة في الدولة ومؤسساتها. وعندما تجتمع هذه العناصر، تصبح المظلومية ليست حالة ظرفية، بل بنية فكرية كاملة.
وفي السياق السوداني، لعب تراكم الأزمات التاريخية وضعف العدالة الانتقالية دوراً في ترسيخ هذا النمط من التفكير، حيث ظلت كثير من القضايا دون معالجة جذرية، مما جعلها قابلة للاستدعاء في كل لحظة سياسية جديدة.
لكن المشكلة لا تتوقف عند وجود المظلومية، بل تبدأ عندما تتحول إلى أداة صراع بين المكونات المختلفة، بحيث تستخدم كل مجموعة إحساسها بالغبن لتبرير مواقفها السياسية، وفي الوقت نفسه نفي مظلومية الآخرين أو التقليل منها.
وهنا تتحول المظلومية من جسر للعدالة إلى حدود جديدة للانقسام.
وتزداد خطورة هذا التحول عندما يتم ربط المظلومية بالهوية، فيصبح الانتماء نفسه دليلاً على الظلم أو الامتياز، بدلاً من أن يكون مجرد إطار اجتماعي أو ثقافي. وعندها يدخل المجتمع في دوامة من المقارنات المستمرة بين “من ظلم أكثر” و”من يستحق أكثر”، بدلاً من البحث عن حلول عادلة وشاملة.
إن الدولة التي تفشل في إدارة المظلومية، تتحول فيها العدالة من مشروع وطني إلى ساحة تنازع مفتوحة. ولذلك فإن غياب المؤسسات القادرة على الإنصاف يعمّق منطق الانتقام الرمزي، ويعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
ومن هنا فإن معالجة المظلومية لا يمكن أن تكون خطابية أو سياسية فقط، بل هي في جوهرها عملية بناء مؤسسات عادلة، تعيد الثقة بين المواطن والدولة، وتفصل بين الحق الفردي واستغلاله السياسي.
كما تتطلب هذه المعالجة إعادة تعريف العدالة نفسها، بحيث لا تُفهم باعتبارها “انتصار طرف على طرف”، بل باعتبارها إعادة توازن للمجتمع ككل، بما يمنع تحول القضايا العادلة إلى أدوات تفجير داخلي.
إن تجاوز المظلومية السياسية لا يعني إنكارها، بل يعني تحريرها من الاستخدام الصراعي، وإعادتها إلى سياقها الطبيعي كمطلب إصلاح لا كوقود استقطاب.
وهنا فقط يمكن للمجتمع أن ينتقل من دائرة الاتهام المتبادل إلى دائرة الحلول المشتركة، ومن منطق الصراع على الذاكرة إلى منطق بناء المستقبل.
في الحلقة القادمة…
الدولة بين الشرعية والضعف… لماذا تفقد الدولة قدرتها على إنتاج الثقة؟
سنناقش كيف تتآكل شرعية الدولة، وما علاقة ذلك ببنية المؤسسات، وكيف يتحول الضعف المؤسسي إلى سبب مباشر في إعادة إنتاج الصراع، ولماذا تفشل بعض الدول في بناء عقد اجتماعي مستقر رغم امتلاكها للسلطة.
هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.
