✒️ الكاتبة والإعلامية/ عبير نبيل محمد
عنقاء الحروف
✍️ الفَصْلُ الأَوَّل…
﴿ فِي مَراثِي الحَرْبِ وَالنُّزُوحِ… حِينَ ضاقَتِ الأَرْضُ بِأَهْلِهَا ﴾
لم تكن الحربُ عابرةً كغيمةِ صيفٍ، ولا كانت نزوةَ غضبٍ سرعان ما تخبو، بل جاءت ثقيلةً كالأقدار، تطرقُ الأبوابَ بلا استئذان، وتقتحمُ العُمرَ اقتحامًا، حتى لم تترك في القلوب متسعًا إلا للوجع.
جاءت، فاستفاق الناس على أصواتٍ لم تألفها المدن، ورأوا بيوتهم التي شيَّدوها بالأعمار تغدو، في لحظةٍ، ذكرى، ورأوا الطُّرُقات التي ازدانت يومًا بخطوات الأطفال تمتلئ بوجوهٍ أنهكها الرحيل.
خرج الناس لا يحملون من الدنيا إلا ما خفَّ وزنه، وما ثقل في القلب.
تركوا خلفهم الأبواب التي حفظت أسماءهم، والجدران التي شهدت أفراحهم، والأشجار التي كبرت معهم، وقبور الأحبة التي لم يجدوا وقتًا لوداعها الأخير.
ومضوا…
لا لأن الرحيل كان أمنية، بل لأن البقاء صار وجعًا لا يُحتمل، وصارت النجاة أمنيةً صغيرةً في زمنٍ عزَّت فيه الأماني…
فيا لثقل الحكايات التي حملتها الأكتاف، ويا لقسوة الطرق التي ابتلعت خطى العابرين، ويا لوطنٍ ضاقت به المسافات، حتى غدا أبناؤه غرباء في جهات الأرض، يحملون مفاتيح البيوت في حقائبهم، ويحملون الوطن في صدورهم.
وكم من شيخٍ خرج من داره، ولم يكن يعلم أن النظرة الأخيرة إليها ستكون الوداع الأخير.
وكم من أمٍّ كانت تضم أبناءها إلى صدرها، كأنها تحاول أن تهزم الخوف بذراعيها، وكم من طفلٍ نام على كتف النزوح، قبل أن يعرف كيف يكتب اسم مدينته.
وكانت السماء شاهدةً على كل شيء، وكان الله وحده يعلم مقدار الدموع التي أخفاها الرجال، ومقدار الحنين الذي حملته النساء في صمتٍ يشبه الصبر، ويشبه الصلاة.
أما الوطن…
فبقي واقفًا…
ينزف…
ولا يموت.
لكن الحروب، مهما عظمت، لا تُعرف بعدد الرصاصات التي أُطلقت، ولا بعدد المدن التي سقطت، بل بعدد الأحلام الصغيرة التي اغتالتها قبل أن ترى النور.
بعض الأحلام لا تكون كبيرة…
بل تكون صغيرةً إلى حدِّ أن أصحابها لا يطلبون من الحياة أكثر منها.
وحين تأتي الحرب…
لا تسرق الأحلام الكبيرة أولًا، بل تبدأ بتلك الأحلام الصغيرة التي كانت تكفي أصحابها ليشعروا أن الحياة ما زالت بخير.
قبل أن تعرف شوارعنا أصوات الرصاص…
كان الصباح يأتي هادئًا كما اعتدناه.
تستيقظ البيوت على صوت الأذان، ثم تمتزج رائحة الشاي برائحة الخبز، وتتعالى أصوات الأطفال وهم يركضون في الأزقة الضيقة، لا يشغلهم من الدنيا سوى لعبةٍ تبدأ بعد الشروق، وتنتهي قبل أن تناديهم أمهاتهم إلى البيوت.
كانت النساء يبدأن نهارهن مبكرًا؛ هذه تكنس فناء منزلها، وتلك تسقي شجرتها، وأخرى تنشغل بإعداد الإفطار، بينما تتبادل الجارات حديثًا عن الأسعار، والخريف، و(الجمعية)، وأحلامٍ صغيرة كانت تكبر في قلوبهن أكثر مما تكبر في جيوبهن.
لم يكن أحدٌ يحلم بالمستحيل…
كان الناس يريدون فقط حياةً تشبه الأمس.
سقفًا لا يخافون سقوطه.
ومطرًا يروي الأرض، لا يحمل معه الخوف.
وغدًا يأتي كما اعتاد أن يأتي…
دون أن يوقظهم على خبر موت، أو رحلة نزوح، أو وداعٍ بلا عودة.
ومن بين تلك البيوت…
كانت تعيش جارتي.
امرأةً بسيطة، أثقلتها الحياة، لكنها لم تسمح لليأس أن يسكن قلبها.
كانت تعيش مع أسرتها في غرفةٍ واحدة، غرفةٌ أنهكتها السنوات، وتشبعت جدرانها برطوبة الخريف وحرِّ الصيف، حتى أصبحت تخشى عليها أكثر مما تخشى على نفسها.
تسعةُ أشخاصٍ كانوا يقطنون تلك الغرفة الضيقة.
أما خارجها، فكانت هناك راكوبةٌ يعرفها كل أهل الحي، مرقعةٌ بالقماش والخيش، تأوي ما تيسّر من الأواني وبعض المتاع البسيط الذي جمعته الأسرة على امتداد العمر.
كلنا نعلم ما معنى (الجمعية).
لم تكن مجرد مبلغٍ من المال، بل كانت أملًا مؤجَّلًا، ومشروعًا صغيرًا تؤجل له الأسر احتياجاتها عامًا بعد عام، وكان كل بيتٍ ينتظر دوره فيها، وكأنه ينتظر نافذةً صغيرةً يطل منها على حياةٍ أقل قسوة.
ثم جاء اليوم الذي انتظرته طويلًا…
يوم جاءت إليها الجمعية.
لا أنسى تلك اللحظة ما حييت.
رأيتها تركض نحوي، والفرحة تسبق خطواتها، وهي تناديني:
“عبير… جمعت المال… والصَّرْفة كانت لي… وخلاص، حأعمل أجمل عريشة للأولاد. خايفة الخريف يجي، والمرة دي الغرفة تقع فينا.”
كانت تضحك…
وأضحك معها.
وكان أبناؤها يلتفون حولها، يتحدثون عن العريشة كأنها بُنيت بالفعل، وكأنها ستكون بداية حياةٍ جديدة، تقيهم الخريف القادم، وتمنحهم ظلًا يشبه الأمان.
في ذلك اليوم، بدا لي أن السماء أكثر اتساعًا، وأن الأرض تبتسم تحت أقدامها، وكأنها تشارك تلك الفرحة الصغيرة التي كبرت فجأة حتى ملأت المكان.
وقلنا جميعًا…
ستنتهي هذه الأيام.
سيسكت الرصاص.
وسيعود الناس إلى حياتهم.
لكن الحرب كانت أسرع من أحلامنا جميعًا.
بدأ إطلاق النار يقترب.
وصارت الأخبار تحمل كل يوم اسمًا جديدًا للفقد.
وضاق المكان بأهله، حتى أصبح الخوف يسكن البيوت قبل أصحابها، وصارت الأيام تُقاس بعدد من غابوا، لا بعدد ما مرّ منها.
أما جارتي…
فلم تكن تعلم أن العريشة التي كانت تبنيها لتحمي أبناءها من المطر، ستصبح المكان الذي سيضم أجساد ثلاثةٍ من أبنائها.
كان الوصول إلى المقابر وقتها مستحيلًا، وكانت الحرب أقسى من أن تمنح الناس حق الوداع الأخير.
فاحتضنت أبناءها للمرة الأخيرة، ودفنت فلذات كبدها داخل تلك العريشة التي شيدتها بفرحٍ لتحميهم من الخريف، فإذا بها تحتضنهم إلى الأبد.
أيُّ قلبٍ يستطيع أن يحتمل هذا الوجع؟
وأيُّ أمٍّ تستطيع أن تترك أبناءها خلفها وتمضي؟
لكن الحرب لا تسأل الأمهات عمَّا يحتملن.
وحين جاء وقت الرحيل…
حملت ما استطاعت حمله من بقايا العمر، وتركت خلفها ما لا تستطيع أيُّ يدٍ أن تحمله.
وقفت طويلًا أمام تلك العريشة…
كأنها تحاول أن تحفظ ملامح آخر ما تبقى من الحياة في قلبها.
لا أدري… أكانت تودّع أبناءها، أم تودّع نفسها التي دُفنت معهم في تلك اللحظة.
ثم أدارت ظهرها، ومضت.
لم يكن الرحيل اختيارًا، بل كان آخر ما تركته لها الحرب من خيارات.
ودعت أشجارًا كانت تسقيها كل صباحٍ بحب، وغرفةً ضاقت بأهلها، لكنها اتسعت لذكرياتهم، وركنًا صغيرًا شهد ضحكات الأطفال، وأوانيها البسيطة التي جمعتها بشقاء السنين.
وتركت خلفها بيتًا لم يكن جدرانًا وسقفًا فحسب، بل كان عمرًا كاملًا، وحكاياتٍ لن تُروى كما كانت.
رحلت…
مثلها مثل آلاف الأمهات اللواتي اقتلعتهن الحرب من جذورهن، يحملن ما بقي من الأبناء، ويتركن في الأرض أبناءً آخرين، وقلوبًا لم تعد قادرةً على احتمال المزيد.
ومنذ ذلك اليوم…
لا أعلم إلى أي أرضٍ قادها النزوح، ولا أين استقرت بها الأيام.
لكنني كلما تذكرتها، تذكرت فرحتها بذلك اليوم…
وفرحتها بالعريشة…
وتذكرت في المقابل ذلك المشهد الذي انكسر فيه كل شيء، حين فارقت أبناءها الثلاثة، ووقفت وحدها أمام وجعٍ لا يشبه أي وجع، امرأةٌ أُفرغ قلبها في لحظةٍ واحدة، وبقيت تمشي بعدها كأنها تحمل ظلّها فقط.
أدركت أن الحرب لا تهدم البيوت وحدها، ولا تقتل الناس وحدهم…
إنها تهدم الأحلام الصغيرة التي كان أصحابها يظنون أنها ستكفيهم ليعيشوا بسلام.
وتترك في كل بيتٍ حكايةً لا تنتهي، وفي كل أمٍّ وجعًا لا يشيخ، وفي كل وطنٍ ذاكرةً تنزف… ولا تموت.
✒️ يتوقف الفصل الأول هنا…
على أن نلتقي في الفصل الثاني:
“مراثي الفقد… حين صار الغياب وطنًا آخر
حيث لا يعود الألم حدثًا عابرًا…”
بل يصبح حياةً كاملة تُعاش بالذاكرة، ويصبح الغياب وجهًا آخر للوطن الذي لم يعد كما كان.
إلى الملتقى…
❀𓆩•҉᭄𓆪
✍️ …. تَوْقِيعُ العَنْقَاءِ
❀𓆩•҉᭄𓆪
هذا ما رأيته بعيني…
ليس حكايةً تُروى للتأثر، بل أثرُ حياةٍ مرّت بسرعة الحرب، وخلّفت وراءها ما لا تُجيده اللغة.
وجوهٌ أحبّت البقاء… لكن البقاء لم يحبّها.
وأحلامٌ صغيرة كانت تنتظر الغد… فلم تجد الغد.
أكتبُ لا لأجمّل الوجع…
بل لأشهد أنه حدث.
وأن ما ضاع في هذه الحرب لم يكن بيوتًا تُهدم، بل قلوبًا كاملة كانت تؤمن أن الغد وعدٌ بسيط، فإذا به يتبدّد في الهواء قبل أن يُقال.
رأيتُ المدن تقف كما هي…
لكنها من الداخل كانت تُفرَّغ من أهلها بهدوءٍ يشبه الغياب، كأن الحياة تُسحب من بين الأيدي دون صوت، ولا يبقى سوى الصدى.
وهكذا لم يعد الألم حدثًا عابرًا…
بل صار وطنًا آخر يُقيم في الذاكرة، ويُشبهنا كلما ظننا أننا نسيناه.
ويبقى هذا السرد…
ليس حكايةً تُروى، بل شهادة زمنٍ مرّ، وترك فينا ما لا يُمحى.
وطنٌ نزف كثيرًا…
لكنه لم يمت.
❀𓆩•҉᭄𓆪❥
✍️ عبير نبيل محمد
عنقاء الحروف – من شهود الرماد لا من رواة الحكاية
