الإثنين, يونيو 22, 2026
الرئيسيةمقالاتورشة سياحة في بلد يواجه أزمات معيشية ...

ورشة سياحة في بلد يواجه أزمات معيشية حين يصبح التاريخ أكبر من الخطابات… وأوجاع الناس أكبر من الصور الكاتبة والإعلامية/ عبير نبيل محمد

في بلدٍ أنهكته الحرب، وتثقل كاهل مواطنيه أزمات الوقود والغلاء وتراجع الخدمات، وفي وطنٍ تقف فيه مشروعات على حافة العطش، وتبحث فيه آلاف الأسر عن أبسط مقومات الحياة، يصبح من حق الناس أن يسألوا، لا من باب الاعتراض على السياحة أو التقليل من شأن الآثار، بل من باب البحث عن الأولويات.

فبينما يواجه السودانيون واحدة من أقسى المراحل الاقتصادية والمعيشية في تاريخهم الحديث، يصل وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، الأستاذ خالد الإعيسر، إلى ولاية نهر النيل للمشاركة في ورشة حول السياحة والآثار.

وهنا لا يكون السؤال: لماذا السياحة؟

فالسياحة ليست ترفًا، بل يمكن أن تكون أحد أبواب الاقتصاد المستقبلية في السودان.

ولا يكون السؤال: لماذا الآثار؟

فالسودان يملك إرثًا حضاريًا عظيمًا، يمتد من كرمة وجبل البركل والكرو ونوري في الولاية الشمالية، إلى البجراوية والنقعة والمصورات الصفراء في ولاية نهر النيل، وهي مواقع لا تخص ولاية بعينها، بل تمثل ذاكرة أمة كاملة.

لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو:

لماذا ما زلنا نعتقد أن الورش والخطابات والتوصيات قادرة وحدها على صناعة التغيير؟

ولماذا اعتدنا أن نقيس الإنجاز بعدد الصور، وعدد الكلمات، وعدد الحضور، بينما يبقى الواقع على حاله؟

لقد تعب هذا الوطن من وضع المسكنات فوق الجراح، ومن تحويل القضايا العميقة إلى مناسبات عابرة، ومن الاكتفاء بالمشهد بينما يتآكل الجوهر في صمت.

إن السودان لا يعاني من فقر في التاريخ، بل من أزمة في إدارة التاريخ.

ولا يعاني من نقص في الآثار، بل من أزمة وعي بالآثار.

ولا تنقصه الحضارة، بل تنقصه الإدارة التي تحول هذا الإرث العظيم إلى مشروع وطني حي، لا إلى ملف موسمي يُستدعى عند الحاجة.

فالسياحة ليست فنادق ومنشآت فحسب، بل هي ثقافة مجتمع، ووعي أجيال، وتعليم، وإعلام، وإنسان يعرف قيمة ما يملك قبل أن يقدمه للعالم.

كيف نحمي الآثار ونحن لم ننجح في إدخالها كجزء حي في التعليم؟

وكيف نطالب الأجيال بحراسة حضارة كوش ومروي وكرمة وجبل البركل، بينما تُقدَّم لهم كمعلومات للحفظ لا كهوية للانتماء؟

وكيف ننتظر وعيًا سياحيًا، بينما الوعي بالتاريخ نفسه ما زال هشًا ومجزأ؟

في الولاية الشمالية تقف كرمة وجبل البركل والكرو ونوري شاهدة على ممالك صنعت تاريخ وادي النيل، وامتدت حضارتها إلى آفاق أبعد من حدود الجغرافيا الحديثة.

وفي ولاية نهر النيل، تقف البجراوية والنقعة والمصورات الصفراء شاهدة على عبقرية حضارة مروي، وعلى صفحات مضيئة من تاريخ السودان القديم.

إن هذه المواقع ليست ملكًا لولاية دون أخرى، وليست مادة لورشة عابرة، بل ذاكرة وطن كامل، وإرث إنساني لو أُحسن فهمه وحمايته، لأصبح بابًا من أبواب النهضة الاقتصادية والثقافية.

لكن الأخطر من الإهمال المادي للآثار، هو الإهمال المعنوي، حين تتآكل العلاقة بين الإنسان وتاريخه، وحين تصبح الحجارة القديمة في نظر البعض مجرد أطلال، لا ذاكرة أمة وجذور وجود.

ولهذا فإن السؤال لا يتعلق بالورشة وحدها، بل بمنظومة كاملة:

أين التعليم الذي يغرس هذا الوعي؟

أين التدريب الحقيقي للكوادر السياحية؟

أين القوانين الرادعة لحماية الآثار ومنع تهريبها؟

أين المتاحف الحديثة؟

أين الإعلام الثقافي الحقيقي؟

وأين الربط بين الجامعات والمواقع الأثرية؟

إن قيمة المسؤول لا تُقاس بعدد الورش التي يفتتحها، ولا بعدد الصور التي توثق حضوره، بل بما يتركه من أثر حقيقي بعد رحيله.

فالتاريخ لا يحتاج إلى حضور رسمي، بقدر ما يحتاج إلى حماية مستمرة، وإدارة واعية، ومؤسسات تعمل خارج ضوء الكاميرا.

لقد أصبحنا نعيش فائضًا في الخطاب، وعجزًا في الأثر.

نكتب التوصيات أكثر مما ننفذ.

ونحتفل أكثر مما نبني.

ونجيد صناعة المشهد أكثر من صناعة النتائج.

حتى أصبحت بعض القضايا الكبرى تتحول إلى مناسبات، بينما يبقى الواقع على حاله، وتزداد أوجاع الناس ثقلًا.

لكن الأخطر من تهريب الآثار، هو تهريب الوعي نفسه.

فليس أخطر ما يمكن أن يحدث أن يأتي لص ليسرق حجرًا، بل أن ينشأ جيل لا يعرف قيمة ذلك الحجر.

لأن الحجر يمكن أن يُستعاد.

أما الإنسان إذا فقد ذاكرته، فقد يفقد كل شيء.

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.

فالسياحة ليست حجرًا، بل إنسان يعرف قيمة الحجر.

والحضارة ليست جدرانًا قديمة، بل شعب يؤمن أن ما تركه الأجداد ليس بقايا زمن مضى، بل جذور وجوده هو.

ولهذا، فإن هيبة التاريخ أعظم من هيبة وصول المسؤولين، وقيمة المسؤول لا تُقاس بعدد الورش التي يفتتحها، ولا بعدد الصور التي يلتقطها، بل بالأثر الذي يبقى بعد رحيله.

فالأمم لا تنهض بكثرة الخطابات، ولا بعدد المؤتمرات، ولا بحجم التوصيات.

وإنما تنهض عندما تتحول الفكرة إلى قانون.

والقانون إلى مؤسسة.

والمؤسسة إلى ثقافة.

والثقافة إلى سلوك يومي يعيشه الناس.

أما نحن، فقد أضعنا أعمارًا طويلة ننتقل من توصية إلى توصية، ومن لجنة إلى لجنة، ومن احتفال إلى احتفال، حتى أصبحنا نستهلك الوقت أكثر مما نصنع المستقبل.

وربما لا تكمن المأساة الكبرى في ضياع حجر أثري، ولا في فشل ورشة، ولا حتى في سوء ترتيب الأولويات.

فالمأساة الحقيقية تبدأ حين يصبح الوهم بديلاً عن الحقيقة، والمشهد بديلاً عن الإنجاز، والخطاب بديلاً عن العمل، والاحتفال بديلاً عن البناء.

فالحضارات لا تموت عندما تُهدم المعابد.

بل تموت عندما ينهار الوعي الذي كان ينبغي أن يحرسها.

ولا تُفقد عندما تُسرق الأحجار.

بل عندما يُسرق الإنسان من ذاكرته.

ولا تسقط الأمم لأنها فقيرة.

بل تسقط عندما تعتاد تأجيل الحقيقة، وتستبدل البناء بالمجاملة، والعمل بالاحتفال، والإنجاز بالصورة.

وحينها، لا تكون المشكلة في ورشة…

ولا في وزير…

ولا في حكومة…

بل في عقلٍ كامل اعتاد أن يضع مرهمًا مغشوشًا فوق جرحٍ لم يعد ظاهرًا على الجلد، بل أصبح عميقًا داخل الجسد، يلتهم العظم والروح في صمت.

وعندها، لا يكون الخطر الحقيقي في ضياع حجر أثري…

ولا في اندثار معبد…

ولا في ضياع صفحة من التاريخ…

بل في ضياع الإنسان نفسه.

لأن الحضارات لا يحرسها الحجر…

ولا تنقذها الصور…

ولا تصنعها الورش…

بل يحرسها الإنسان الذي يعرف من يكون، ويحترم ما تركه الأجداد، ويؤمن أن الأوطان لا تُبنى بالغش، وإنما بالصدق والمعرفة والعمل.

وإليكم، قرائي الأعزاء، أصحاب الوعي والكلمة…

أكتب هذه السطور لا لأتحدث عن ورشة، ولا لأخاصم مسؤولًا، ولا لأعترض على السياحة أو الآثار، بل لأشارككم سؤالًا أكبر من كل ذلك:

كيف تُدار القضايا الكبرى في وطن مثقل بالحرب والأزمات؟

وكيف يمكن أن يضيع التاريخ، حين يضيع الإنسان الذي كان يفترض أن يحرسه؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه جميعًا.

وحين يضيع الإنسان…

يضيع كل شيء.

✒️ سلامٌ وأمان… فالعدل ميزان

أنا الرسالة حين يضيع البريد، وأنا امرأة من حبر النار.

أكتب لأن الحقيقة لا تُدفن، ولأن الأوطان لا تُحرس بالصمت.

✍️ عبير نبيل محمد
امرأة من حبر النار

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات