الجمعة, يونيو 19, 2026
الرئيسيةمقالاتعسكرة البحر الأحمر بقلم/...

عسكرة البحر الأحمر بقلم/ د. اسماعيل الحكيم

سياسياً لا تُقاس أهمية الدول بحجم مساحتها أو عدد سكانها فحسب، وإنما بموقعها في خرائط المصالح الكبرى. ومن. هذا المنطلق يظل السودان، رغم ما يمر به من حرب وأزمات، إحدى أكثر الدول حضوراً في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية والدولية، لاعتبارات تتجاوز حدوده الجغرافية إلى موقعه المحوري على البحر الأحمر، وموارده الاقتصادية الهائلة، وتأثيره المباشر في أمن القرن الأفريقي والمنطقة العربية.
ومع تصاعد الحديث عن تفاهمات أمريكية إيرانية غير معلنة، أو تفاوض غير مباشر حول ملفات الشرق الأوسط والأمن الإقليمي، يبرز سؤال مهم: ما أثر هذه التفاهمات على السودان؟ وكيف يمكن أن تنعكس على مستقبله السياسي والاقتصادي والعسكري في مرحلة ما بعد الحرب؟
رغم أن الملف السوداني لا يتصدر أجندة التفاوض المعلنة بين واشنطن وطهران، إلا أن السودان يمثل نقطة التقاء مهمة للمصالح المتشابكة بين الطرفين. فالولايات المتحدة تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً من منظومة الأمن البحري في البحر الأحمر، وممراً استراتيجياً يؤثر على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
أما إيران فتنظر إلى السودان باعتباره بوابة جيوسياسية مهمة نحو أفريقيا، ومنفذاً استراتيجياً على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فضلاً عن كونه ساحة يمكن أن تعزز من خلالها حضورها السياسي والعسكري في الإقليم.
ومن هنا فإن أي تقارب أو تفاهم بين واشنطن وطهران سيؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على شكل التوازنات داخل السودان ومستقبل علاقاته الخارجية.
وإذا نجحت التفاهمات الأمريكية الإيرانية في تخفيف حدة الاستقطاب الإقليمي، فإن السودان سيكون من أوائل المستفيدين سياسياً. فالكثير من النزاعات الممتدة في المنطقة ارتبطت بصراع النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية، وأي تهدئة بين واشنطن وطهران ستنعكس على طبيعة التدخلات الخارجية في الملفات السودانية.
وقد يفتح ذلك الباب أمام توافق دولي أوسع لدعم استقرار السودان، بعيداً عن سياسات المحاور الحادة التي أرهقت المنطقة لعقود طويلة.
كما أن مرحلة ما بعد الحرب ستحتاج إلى غطاء سياسي دولي واسع النطاق، وإلى تفاهمات إقليمية تمنع تحويل السودان إلى ساحة تنافس جديدة بين القوى المتصارعة. وفي هذا السياق فإن أي تقارب أمريكي إيراني قد يسهم في إيجاد بيئة أكثر ملاءمة لإنجاح التسويات السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
اقتصادياً، يمتلك السودان ما يجعله واحداً من أكثر الاقتصادات الواعدة في أفريقيا والعالم ، إذا توفرت له بيئة مستقرة. فالأراضي الزراعية الشاسعة، والثروات المعدنية الضخمة، والموقع اللوجستي المتميز، كلها عوامل تجعل السودان هدفاً للمستثمرين الدوليين.
ومن المرجح أن يؤدي انخفاض مستوى التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى تقليل المخاطر السياسية المرتبطة بالمنطقة، وهو ما قد يشجع المؤسسات المالية الدولية والشركات الكبرى على العودة للاستثمار في السودان بعد انتهاء الحرب.
كما أن مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالموانئ والطرق والطاقة ستكتسب أهمية متزايدة، خصوصاً في ظل التنافس الدولي على تأمين طرق التجارة البحرية عبر البحر الأحمر.
ولا يُستبعد أن يتحول السودان خلال السنوات المقبلة إلى مركز اقتصادي إقليمي إذا نجح في استثمار موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية ضمن رؤية وطنية مستقرة.
عسكرياً، يمثل البحر الأحمر أحد أهم عناصر الاهتمام الأمريكي والإيراني بالسودان. فهذا الممر البحري الحيوي لا ينقل التجارة العالمية فحسب، إنما يمثل كذلك شرياناً استراتيجياً للأمن الدولي.
الولايات المتحدة تسعى إلى ضمان أمن الملاحة الدولية ومنع أي تهديد للممرات البحرية الحيوية، بينما تنظر إيران إلى البحر الأحمر باعتباره جزءاً من معادلات الردع والتوازن الاستراتيجي في المنطقة.
ولذلك فإن أي تفاهمات بين الطرفين ستنعكس على طبيعة الحضور العسكري ومستوى التوتر في محيط السودان البحري. وقد يؤدي ذلك إلى تقليل احتمالات عسكرة البحر الأحمر، أو على الأقل إعادة تنظيم قواعد الاشتباك بين القوى المتنافسة فيه.
وفي مرحلة ما بعد الحرب، سيصبح السودان لاعباً مهماً في معادلة الأمن البحري الإقليمي، خصوصاً إذا نجح في إعادة بناء قواته المسلحة وتعزيز قدراته البحرية وتأمين سواحله الممتدة.
الحروب تترك خلفها الدمار، لكنها تخلق أيضاً لحظات نادرة لإعادة التأسيس. والسودان اليوم يقف على أعتاب واحدة من تلك اللحظات التاريخية.
فإذا تزامن انتهاء الحرب مع حالة من التهدئة الإقليمية والتفاهمات الدولية، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام فرصة استثنائية للانتقال من ساحة صراع إلى مركز توازن إقليمي.
غير أن تحقيق ذلك لن يكون رهناً بالتفاهمات الأمريكية الإيرانية وحدها، ولكن بقدرة السودانيين أنفسهم على بناء مشروع وطني جامع، يحول الموقع الجغرافي من عبء للصراعات إلى مصدر للقوة والنفوذ والتنمية.
ولقد أثبت التاريخ أن الدول الواقعة على خطوط المصالح الكبرى قد تتحول إلى ضحايا للتنافس الدولي، كما يمكن أن تصبح مستفيدة منه إذا أحسنت إدارة موقعها الاستراتيجي. والسودان اليوم يقف بين هذين الاحتمالين، فيما تتجه أنظار القوى الكبرى نحو البحر الأحمر، ذلك الممر الذي لا يربط بين القارات فحسب، وإنما يربط أيضاً بين حاضر السودان ومستقبله .

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات