✒️ الكاتبة والإعلامية/ عبير نبيل محمد
ليس الموت في السودان خبرًا عابرًا، ولا الشهداء أرقامًا تُضاف إلى قوائم النسيان. فمن الأبيض التي نزفت أبناءها، إلى القرى والمدن التي أكلتها الحرب، إلى معسكرات النزوح والجوع والمرض، وها هي جبال التعدين تضيف أسماءً جديدة إلى سجل الفقد السوداني المفتوح على اتساعه.
شهداء التعدين الذين شُيعت أجسادهم لم يكونوا جنودًا في معركة، ولا أصحاب سلطة، ولا صناع قرار. كانوا يبحثون عن لقمة العيش في باطن الأرض، فخرجوا منها شهداء، تاركين خلفهم أمهات ثكالى، وأطفالًا ينتظرون آباء لن يعودوا، وأحلامًا دفنت مع أصحابها تحت ركام الأسئلة التي لم تجد جوابًا.
لكن الجرح هذه المرة لا يقف عند حدود الفاجعة، بل يمتد إلى ذلك الصمت الثقيل الذي يخيم على المشهد. صمت يفتح أبواب الأسئلة على مصاريعها، ويجعل الناس يتساءلون: لماذا يموت السودانيون بهذه السهولة؟ ولماذا تتأخر الحقيقة دائمًا؟ ولماذا أصبح الدم السوداني أرخص من أن يجد بيانًا شافيًا، أو موقفًا يليق بحجم المأساة؟
لقد تعب هذا الشعب من دفن أبنائه، وتعب من البيانات المتأخرة، ومن الخذلان المتكرر، ومن مشهد المسؤولين وهم يتبادلون المواقع والمناصب بينما الوطن يتبادل النعوش.
في الأبيض كانت المأساة، وفي دارفور كانت المأساة، وفي الجزيرة كانت المأساة، وفي الخرطوم كانت المأساة، واليوم في مناطق التعدين مأساة جديدة. وكأن السودان يعيش موسمًا دائمًا للحزن، فيما تتراكم الجراح حتى باتت البلاد كلها مرثية مفتوحة.
ولأن الجراح لم تعد جرحًا واحدًا، بل وطنًا كاملًا من الندوب، فقد أصبح السودانيون يعيشون بين فاجعة لم تندمل، وأخرى لم تُمنح حتى حق البكاء. فمن الأبيض التي سال فيها الدم، إلى الخرطوم التي فقدت ملامحها، إلى دارفور التي أنهكتها النيران، إلى الجزيرة التي عرفت النزوح والخوف، إلى جبال الذهب في جبل العيقاد التي تحولت إلى جبال من الفقد، يقف السوداني البسيط وحيدًا أمام قدره، يتساءل:
هل أصبح الموت هو الشيء الوحيد الذي يُدار في هذه البلاد بكفاءة؟
وهل كتب على هذا الشعب أن يدفع وحده ثمن الصراعات والأطماع والحسابات السياسية، بينما يتنازع الجميع على الأرض، ولا يسأل أحد عن الإنسان؟
وهل أصبح السوداني مجرد رقم جديد في دفتر الأحزان، يضاف إلى من سبقوه، ثم يطويه النسيان؟
ووسط كل ذلك، تبرز أسئلة لا يجوز الهروب منها:
من يحمي السودانيين؟
من يحرس ثروات البلاد؟
من يملك حق معرفة الحقيقة؟
ومن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذا النزيف المستمر؟
إن الحديث عن حزام الدرع النوبي وثرواته المعدنية ليس حديثًا عن الصخور والذهب فقط، بل عن صراع المصالح، وعن أرض أصبحت مطمعًا، وعن وطن أنهكته الحرب حتى صار عاجزًا عن حماية إنسانه وثرواته معًا.
ولعل الجرح الأكبر ليس في الموت نفسه، بل في الاعتياد عليه. أن يصبح خبر الشهداء جزءًا من يومياتنا، وأن تتحول صور التشييع إلى مشهد مألوف، وأن يعتاد المسؤولون على الصمت، ويعتاد المواطن على البكاء، ويعتاد العالم على رؤية السودان وهو ينزف وحده.
إن الجرح الأكبر ليس في عدد الشهداء، بل في اتساع مساحة الصمت من حولهم.
فالشهداء لا يقتلون مرة واحدة، بل يقتلون مرتين؛ مرة حين تسقط أجسادهم، ومرة حين تغيب الحقيقة، ويُترك ذووهم وحدهم في مواجهة الأسئلة والانتظار والخذلان.
إن الدول تقاس بمقدار احترامها لدماء أبنائها، لا بعدد خطاباتها، وتقاس بمقدار قربها من شعبها ساعة المصائب، لا بحجم الشعارات التي ترفعها.
هذا المقال ليس اتهامًا، بل صرخة.
صرخة في وجه الصمت.
صرخة في وجه الخذلان.
صرخة في وجه الذين جعلوا من هذا الوطن ساحة مفتوحة للموت.
وصرخة في وجه كل الذين اعتادوا رؤية النعوش تمر، ثم يعودون إلى تفاصيلهم اليومية كأن شيئًا لم يكن.
وصرخة في وجه الذين يختلفون على السياسة، ويتنافسون على السلطة، بينما يلتقي أبناء السودان جميعًا في المقابر.
فالبلاد التي تدفن أبناءها كل يوم، لا تحتاج إلى المزيد من الخطب، بل تحتاج إلى حقيقة، وإلى عدالة، وإلى رجال دولة يدركون أن الوطن لا يُدار بالإنكار، وأن دماء الشهداء لا يجوز أن تضيع بين الصمت والمصالح والحسابات الضيقة.
رحم الله شهداء السودان جميعًا…
أولئك الذين سقطوا في الأبيض، وفي الخرطوم، وفي دارفور، وفي الجزيرة، وفي كل بقعة من أرض الوطن.
ورحم الله شهداء التعدين، الذين خرجوا يبحثون عن الذهب، فعادوا محمولين على الأكتاف، بينما بقي السؤال الأكبر معلقًا في سماء السودان:
فأي وطن هذا الذي يشيع أبناءه أكثر مما يحتفل بأحلامهم؟
وأي دولة تلك التي يسبق فيها النعيُ البيانَ، وتسبق فيها دموع الأمهات صوتَ الحقيقة؟
وأي زمن هذا الذي أصبح فيه السوداني يحفظ أسماء المقابر أكثر مما يحفظ أسماء المشاريع، ويعد الشهداء أكثر مما يعد مواسم الفرح؟
إن الأوطان لا تموت حين تُهزم الجيوش، وإنما تموت حين يعتاد الناس الحزن، ويصبح الصمت سياسة، ويصبح الخذلان وجهًا مألوفًا، ويصبح الدم خبرًا عابرًا في آخر نشرات المساء.
وليس أكثر إيلامًا من أن يشعر المواطن بأن حزنه أكبر من قدرة الدولة على مواساته، وأن دموع الأمهات أصدق من بيانات المسؤولين، وأن الوطن الذي أحبوه وضحوا من أجله، يقف اليوم مثقلًا بالجراح، يبحث هو الآخر عمن يضمد نزيفه.
فيا أيها المسؤولون…
إن المناصب زائلة، والكراسي عابرة، أما دماء الناس فلا تسقط بالتقادم، وأنين الأمهات لا يمحوه النسيان، ووجع الشعوب لا يختفي تحت ركام التصريحات.
وليس أخطر على الأوطان من اعتياد المآسي، وليس أقسى على الشعوب من أن تشعر بأنها وحدها، تبكي أبناءها بينما ينشغل الآخرون بحساباتهم الضيقة.
فإذا كان الذهب يُستخرج من باطن الجبال، فإن كرامة الأوطان تُستخرج من صدق الرجال، ومن شجاعة المواقف، ومن احترام الدم الإنساني.
وإذا كان شهداء جبل العيقاد قد خرجوا يبحثون عن الذهب، فإنهم عادوا ليذكروا الجميع بأن الإنسان أغلى من الذهب، وأن الوطن الذي لا يحفظ أبناءه، يفقد شيئًا من روحه كلما ارتفع صوت النحيب في بيوت الثكالى.
إلى متى؟
✒️ توقيعي
سلامٌ وأمان… فالعدل ميزان.
أنا الرسالة حين يضيع البريد، وأنا امرأةٌ من حبر النار، أكتبُ حين يصمت الآخرون، وأشهدُ حين يخاف الشهود، وأحملُ وجع الوطن على كتفي كما تحمل الأمهات أبناءهن إلى مراقدهم الأخيرة.
أنا ابنة هذا الحزن السوداني العتيق، أجمع من رماد الفقد حروفًا، ومن دموع الثكالى قصائد، ومن صمت المقابر أسئلةً لا تموت.
لا أكتب بحثًا عن مجدٍ عابر، ولا أبيع الكلمات في سوق المصالح، بل أؤمن أن الكلمة موقف، وأن الحقيقة أمانة، وأن الصمت في حضرة الدم خيانة.
أنا امرأة من حبر النار، لا أساوم على الكلمة، ولا أنحني للخذلان، ولا أؤمن بأن الصمت نجاة.
أكتب لأن الأوطان التي تنزف تحتاج إلى من يشهد لها، لا إلى من يتفرج عليها.
وأكتب لأن الحقيقة، مهما أثقلتها الحروب، تبقى أقوى من النسيان.
أنا ابنة هذا الوطن الجريح، أحمل في قلبي وجع السودان، وفي قلمي ذاكرة الشهداء، وفي روحي إيمانًا لا ينكسر بأن الليل مهما طال، فلا بد للفجر أن يأتي.
إذا احترق الوطن نزفت، وإذا بكى المساكين كتبت، وإذا ضاع العدل رفعت صوتي، لأنني أؤمن أن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده، بل تحرسها الضمائر الحية والكلمات الصادقة.
فإن ضاع البريد… كنتُ الرسالة.
وإن مات الشهود… كنتُ الشهادة.
وإن ضجّ العالم بالضجيج… بقيتُ أكتب.
✒️ عبير نبيل محمد
امرأة من حبر النار
