الخميس, يونيو 18, 2026
الرئيسيةمقالاتثقافة انتظار الحكومة وأثرها في تعطيل التنمية ...

ثقافة انتظار الحكومة وأثرها في تعطيل التنمية بقلم/ عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

من أكثر الظواهر التي أعاقت نهضة السودان خلال العقود الماضية انتشار ما يمكن تسميته بـ”ثقافة انتظار الحكومة”، وهي حالة ذهنية تجعل المواطن ينظر إلى الدولة باعتبارها المسؤول الوحيد عن كل شيء، بينما يتراجع إحساسه بدوره ومسؤوليته تجاه مجتمعه ووطنه.
فإذا تعطلت مدرسة انتظرنا الحكومة.
وإذا تدهور مركز صحي انتظرنا الحكومة.
وإذا تراكمت النفايات انتظرنا الحكومة.
وإجطهميجط

ذا تعطلت مبادرة تنموية أو مشروع خدمي انتظرنا الحكومة.
حتى أصبح الانتظار في كثير من الأحيان بديلاً عن المبادرة، وأصبح الشكوى أسهل من العمل، وأصبح البحث عن المسؤول أسهل من البحث عن الحل.
لا شك أن الدولة تتحمل مسؤوليات أساسية لا يمكن التنصل منها، فهي المسؤولة عن الأمن والعدالة والتخطيط والبنية التحتية والخدمات العامة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المواطن من شريك في التنمية إلى مجرد متفرج ينتظر ما تقدمه الحكومة.
إن الدول الناجحة لم تبنها الحكومات وحدها، بل بنتها شعوب أدركت أن التنمية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.
عندما ننظر إلى تاريخ السودان نفسه نجد أن أجمل الإنجازات الشعبية لم تكن دائماً بقرارات حكومية، بل كانت ثمرة مبادرات أهلية عظيمة.
كم من مدرسة شيدها المواطنون بجهودهم الذاتية؟
وكم من مركز صحي قام على تبرعات أبناء المنطقة؟
وكم من مشروع مياه أو طريق أو مسجد أو سوق تم إنجازه بتكاتف المجتمع؟
لقد كان السودانيون في مراحل كثيرة أكثر قدرة على المبادرة مما هم عليه اليوم.
لكن مع مرور الزمن ترسخت فكرة أن الحكومة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن كل شيء، فتراجعت روح العمل الجماعي وضعفت المبادرات المحلية وأصبح كثير من الناس ينتظرون من يأتي لحل مشكلاتهم بدلاً من السعي للمشاركة في الحل.
والحقيقة أن التنمية لا يمكن أن تتحقق بهذه العقلية.
فالحكومة مهما بلغت إمكاناتها لا تستطيع أن تصل إلى كل حي وقرية ومدينة بالسرعة المطلوبة.
كما أن الموارد الحكومية في أي دولة من دول العالم تظل محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة.
ولهذا فإن المجتمعات الواعية لا تسأل فقط: ماذا ستفعل الحكومة لنا؟
بل تسأل أيضاً: ماذا يمكن أن نفعل نحن لأنفسنا ووطننا؟
إن الفرق بين المجتمعات المتقدمة والمتأخرة لا يكمن فقط في حجم الميزانيات، بل في حجم المبادرات.
فحين يرى المواطن مشكلة ويبدأ في البحث عن حل لها، يكون قد وضع أول حجر في طريق التنمية.
وحين يتعاون الجيران لإصلاح مدرسة أو نظافة حي أو دعم مركز صحي، فإنهم يمارسون التنمية الحقيقية على أرض الواقع.
وحين يساهم رجال الأعمال في خدمة مجتمعاتهم، وتشارك منظمات المجتمع المدني في سد الفجوات، وتدعم الجامعات ومراكز البحث قضايا التنمية، تصبح الحكومة جزءاً من منظومة التنمية لا عبئاً يحملها وحده.
إن السودان اليوم في أمس الحاجة إلى إحياء ثقافة المبادرة والعمل الطوعي والتكافل المجتمعي.
نحتاج إلى الانتقال من عقلية “هذه ليست مسؤوليتي” إلى عقلية “كيف أستطيع المساهمة؟”
ومن ثقافة الانتظار إلى ثقافة الفعل.
ومن البحث عن الأعذار إلى البحث عن الفرص.
فالأوطان لا تبنى بالحكومات وحدها، كما أنها لا تبنى بالشعارات والخطب، وإنما تبنى عندما يشعر كل فرد أن له دوراً ورسالة ومسؤولية في نهضة وطنه.
وعندما يستعيد السودانيون هذه الروح، روح المبادرة والعطاء والعمل الجماعي، سيكتشفون أن كثيراً من المشكلات التي بدت مستعصية كانت تنتظر فقط من يبدأ الخطوة الأولى.
فالتنمية ليست قراراً حكومياً فحسب، بل هي ثقافة مجتمع يؤمن بأن بناء الوطن مسؤولية الجميع.مظ.l

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات