الخميس, يونيو 18, 2026
الرئيسيةمقالاتالعم قمر الدولة.. أبٌ ودّع أبناءه وعاد لدفن الشهداء تحت ظلال الخوف...

العم قمر الدولة.. أبٌ ودّع أبناءه وعاد لدفن الشهداء تحت ظلال الخوف بقلم: مناهل تاج السر

في الحروب لا تُقاس المآسي بعدد الضحايا فقط، بل بما تتركه من ندوب في أرواح الناجين. ومن بين الشهادات التي تختصر حجم الألم الذي عاشه أهالي قرية السريحة، تبرز رواية المواطن السوداني العم قمر الدولة عباس محمد العباس، والد شهيدين، الذي تحدث بمرارة عن الساعات السوداء التي غيّرت وجه القرية إلى الأبد.

يروي العم قمر الدولة أن فجر الخامس والعشرين من أكتوبر جاء محمّلاً بالرعب، حين دوّت أصوات الرصاص الكثيف في أرجاء القرية عند السادسة صباحاً، لتتحول لحظات السكون إلى مشهد من الفوضى والخوف. لم يكن هناك إنذار أو فرصة للاستعداد، بل وجد السكان أنفسهم في مواجهة الموت داخل منازلهم.

ويقول إن النساء هرعن بأطفالهن بحثاً عن ملاذ آمن، فيما سادت حالة من الذعر والارتباك بين الأهالي الذين لم يدركوا في اللحظات الأولى ما الذي يجري حولهم. وبينما كانت الأسر تحاول النجاة، وقف شباب القرية في مواجهة ظروف تفوق قدرتهم، محاولين حماية أهلهم ومساندتهم بما توفر لهم من إمكانيات بسيطة.

لكن أكثر المشاهد قسوة، بحسب روايته، لم تكن أصوات الرصاص أو مشاهد النزوح، بل بقاء بعض الشهداء دون دفن بعد أن حالت الظروف الأمنية دون إكمال مراسم مواراتهم الثرى. فحتى الموتى لم يجدوا في تلك الساعات العصيبة من يودعهم الوداع الأخير.

وبقلب يعتصره الحزن على فقدان اثنين من أبنائه، قرر العم قمر الدولة العودة إلى القرية بعد يومين فقط برفقة مجموعة من أبناء المنطقة، رغم استمرار الخطر والمخاوف. لم يحملوا معهم سوى الإيمان بواجب إنساني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل، وهو دفن الشهداء وصون كرامتهم.

ويضيف أن المجموعة، التي ضمت ما بين اثني عشر وثلاثة عشر رجلاً، عملت وسط أجواء يسودها التوتر والخوف، لكنها رفضت أن تترك الجثامين تنتظر أكثر، مؤمنة بأن تكريم الموتى واجب لا يسقط حتى في زمن الحرب.

إن شهادة العم قمر الدولة ليست مجرد رواية فردية، بل هي مرآة تعكس جانباً من المأساة الإنسانية التي عاشتها السريحة، حيث امتزج الفقد بالنزوح، والخوف بالصبر، والحزن بالإصرار على التمسك بالقيم الإنسانية في أحلك الظروف.

ورغم أنه أبٌ فقد فلذتي كبده، إلا أن كلماته جاءت محمّلة بروح المسؤولية والوفاء، لتؤكد أن أهل السريحة لم يكونوا مجرد ضحايا لمأساة عابرة، بل كانوا نموذجاً للصمود والتكاتف في وجه واحدة من أقسى المحن التي مرت على منطقتهم.

ويبقى السؤال المؤلم الذي تطرحه هذه الشهادة: إلى أي مدى يمكن للحرب أن تجرّد الإنسان من أبسط حقوقه، حتى حقه في أن يُدفن بكرامة؟ وكيف يمكن لذاكرة القرى المنكوبة أن تتجاوز كل هذا الألم وهي ما تزال تحمل أصوات الرصاص ووجوه الشهداء في تفاصيل أيامها؟

بقلم مناهل تاج السر محمد حامد

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات