وضع بنك السودان المركزي في خطوةٍ تحمل أبعاداً اقتصادية تتجاوز حدود الاستيراد المباشر للمحروقات، يده على أحد أهم مفاتيح إصلاح السوق، وذلك باشتراطه على الشركات الراغبة في استيراد المحروقات إيداع ما يعادل (200) كيلوغرام من الذهب مقابل الحصول على شهادة عدم الممانعة للاستيراد.
ليس هذا القرار إجراءاً مصرفياً أو شرطاً إدارياً عادياً ، وإنما يمثل تحوّلاً نوعياً في فلسفة إدارة قطاع حيوي ظل لسنوات طويلة رهينةً للتجارب المرتجلة، والوسطاء، والسماسرة، والشركات الورقية التي تتكسب من الفوضى أكثر مما تستثمر في التنمية.
فالاقتصاد الوطني لا ينهض بالشعارات وحدها ، وإنما بالضمانات الحقيقية. وعندما يُلزم البنك المركزي الشركات بإيداع هذا الحجم من الذهب، فإنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن زمن المغامرين قد انقضى، وأن الساحة الاقتصادية يجب أن تُفسح المجال للشركات الجادة القادرة مالياً وفنياً على الوفاء بالتزاماتها، لا للوسطاء الذين يتاجرون في الأزمات ويقتاتون على ندرة السلع الاستراتيجية.
كما أن القرار يحقق مكسباً وطنياً مزدوجاً ، فمن جهةٍ يرفع سقف الجدية والانضباط في سوق استيراد المحروقات، ومن جهةٍ أخرى يرفد خزينة الدولة باحتياطي معتبر من الذهب، ذلك المعدن النفيس الذي بات أحد أهم أدوات تعزيز الاستقرار النقدي وحماية الاقتصاد من تقلبات الأسواق والأزمات.
غير أن أهمية القرار لا تكمن في صدوره فحسب، ولكن في اكتمال حلقات تنفيذه. فالسياسة الاقتصادية في أي دولة تقوم على جناحين متكاملين ، السياسة النقدية التي يتولى قيادتها البنك المركزي، والسياسة المالية التي تمثلها وزارة المالية. وإذا كان البنك المركزي قد خطا خطوته المطلوبة، فإن الكرة الآن في ملعب وزارة المالية لتضطلع بمسؤولياتها في إنفاذ القرار وتوفير البيئة التشريعية والرقابية التي تمنع الالتفاف عليه أو إفراغه من مضمونه.
أما وزارة الطاقة والنفط، فإنها تتحمل العبء التنفيذي والرقابي المباشر، وعليها أن تراقب بدقة التزام الشركات بالضوابط الجديدة، وأن تحول دون تسلل أي استثناءات أو مجاملات قد تنسف أهداف القرار من أساسها.
فالقرارات الاقتصادية الكبرى لا تسقط عادةً بفعل ضعف الفكرة، وإنما بفعل ضعف الإرادة في التطبيق. وما أكثر القرارات التي وُلدت قوية في نصوصها، ثم ماتت ضعيفة في واقعها تحت وطأة الاستثناءات والمحاصصات والتدخلات.
ومن هنا، فإن المطلوب هو الحزم الكامل والالتزام الصارم، وألا تُمنح أي جهة ــ مهما كان نفوذها أو موقعها ــ امتيازاً يضعها فوق القانون أو خارج إطار الضوابط المعلنة. فالسوق لا يستقيم بمعيارين، والاقتصاد لا يتعافى بمنهج الانتقائية.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى بناء منظومة اقتصادية تقوم على الكفاءة والشفافية والانضباط، لا على الوساطات والاستثناءات. وقرار بنك السودان المركزي يفتح باباً واسعاً في هذا الاتجاه، لكنه سيظل خطوة أولى ما لم تتكامل جهود البنك المركزي ووزارة المالية ووزارة الطاقة والنفط في منظومة تنفيذية واحدة لا تعرف التردد ولا التراجع.
فإما أن يُنفذ القرار بحزمٍ وعدالةٍ وصرامة، فيصبح نقطة تحول حقيقية في مسار الاقتصاد الوطني، وإما أن يُترك نهباً للاستثناءات والتراخي، فيلحق بسلسلة القرارات التي ازدحمت بها الأدراج ولم تترك أثراً في الأسواق.
وعندها ينطبق المثل العربي البليغ: “كالمُنب لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى”.
