يتكرر هذا السؤال كثيرًا كلما اشتدت الأزمات الاقتصادية، وارتفعت الأسعار، وضاقت سبل العيش على المواطنين: هل السودان دولة فقيرة؟
للوهلة الأولى قد تبدو الإجابة سهلة، فالمؤشرات الاقتصادية متراجعة، والبنية التحتية تعاني، والخدمات الأساسية تواجه تحديات كبيرة. لكن إذا تجاوزنا ظاهر المشهد ونظرنا إلى الحقائق المجردة، سنكتشف أن السؤال نفسه يحتاج إلى مراجعة.
السودان ليس دولة فقيرة بالمعنى الحقيقي للفقر.
كيف يكون بلد يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة فقيرًا؟ وكيف يكون بلد تجري في أراضيه أنهار دائمة وموسمية، وتزخر باطن أرضه بالذهب والمعادن والثروات الطبيعية، ويحتل موقعًا استراتيجيًا يربط بين العالم العربي وإفريقيا، ويطل على البحر الأحمر، ثم نصفه بأنه فقير؟
الحقيقة أن السودان من أغنى دول المنطقة من حيث الإمكانات الكامنة، لكنه من أكثرها تعثرًا في استثمار هذه الإمكانات وتحويلها إلى واقع معاش.
الأزمة الحقيقية ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة للموارد.
وليست أزمة إمكانات، بل أزمة عقول تفكر بعقلية الاستهلاك أكثر من عقلية الإنتاج.
وليست أزمة أرض، بل أزمة إنسان لم ينجح بعد في بناء المشروع الوطني الذي يوظف هذه الأرض والثروات لخدمة الجميع.
إن موقع السودان الجغرافي وحده يمكن أن يشكل مصدرًا هائلًا للدخل القومي إذا أُحسن استغلاله. فالدول اليوم لا تبني ثرواتها على الموارد الطبيعية فقط، بل على الخدمات اللوجستية والتجارة والنقل والاستثمار والموانئ والمناطق الحرة. وهناك دول لا تمتلك جزءًا يسيرًا مما يمتلكه السودان من موارد، لكنها استطاعت أن تتحول إلى مراكز اقتصادية عالمية لأنها امتلكت الرؤية والإدارة والانضباط.
المشكلة أن جزءًا كبيرًا من النخب السياسية والفكرية ظل منشغلًا لعقود طويلة بصراعات الهوية والسلطة وتقاسم النفوذ، بينما تراجعت قضايا الإنتاج والتنمية وبناء الإنسان إلى الصفوف الخلفية.
فبدلًا من أن نسأل: كيف نضاعف الإنتاج الزراعي؟ وكيف نجذب الاستثمارات؟ وكيف نطور التعليم والتدريب المهني؟ وكيف نحول السودان إلى مركز تجاري إقليمي؟
انشغلنا كثيرًا بأسئلة الخلاف والانقسام والصراع.
ولذلك فإن الأزمة الاقتصادية التي نعيشها اليوم ليست سوى عرض لمرض أعمق، يتمثل في غياب ثقافة العمل المؤسسي، وضعف التخطيط طويل المدى، وانتشار السلوكيات السالبة التي تعيق التنمية، سواء كانت فسادًا أو محسوبية أو تهربًا من المسؤولية أو استسهالًا للحلول المؤقتة.
إن نهضة السودان لن تبدأ باكتشاف مورد جديد، فالموارد موجودة بالفعل.
ولن تبدأ بالحصول على قروض أو منح خارجية، فكم من أموال دخلت ثم ضاعت دون أثر مستدام.
النهضة الحقيقية تبدأ عندما يتغير الإنسان السوداني نفسه؛ عندما تتحول ثقافتنا من انتظار الفرص إلى صناعتها، ومن البحث عن المكاسب السريعة إلى بناء المشروعات المنتجة، ومن عقلية اللوم إلى عقلية المسؤولية.
عندما ندرك أن الثروة الحقيقية ليست الذهب ولا البترول ولا الأراضي الزراعية، وإنما الإنسان القادر على تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية وحضارية.
عندها فقط سنكتشف أن السودان لم يكن فقيرًا يومًا، وإنما كان يمتلك ثروة عظيمة لم يحسن استغلالها.
وسيكون السؤال الصحيح ليس: لماذا نحن فقراء؟
بل: لماذا تأخرنا كل هذا الوقت عن استثمار ما نملك؟
وذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل مواطن ومسؤول ونخبة وطنية حريصة على مستقبل هذا البلد العظيم.
