بعد حرب طاحنة ومواجهات مباشرة استمرت 105 أيام وهزّت استقرار الشرق الأوسط والعالم، يقف المشهد الدولي اليوم على أعتاب تحوّل دراماتيكي مع اقتراب الطرفين من التوقيع الرسمي على “مذكرة التفاهم” التاريخية بوساطة باكستانية ورعاية دولية.
ومع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التوصل إلى تسوية مرتقبة، وإشارة الأطراف المعنية إلى بدء مرحلة التهدئة التي تشمل تمديد وقف إطلاق النار لـ60 يوماً وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً وبشكل آمن، يبرز السؤال الأهم الذي يشغل مراكز الفكر وصنّاع القرار: “ثم ماذا بعد التوقيع؟”
المرحلة القادمة لن تكون مفروشة بالورود كما يظن البعض، بل هي حقل ألغام دبلوماسي محكوم بثلاثة سيناريوهات رئيسية تتأرجح بين السلام المستدام والعودة إلى حافة الهاوية.
السيناريو الأول: “السلام المشروط” وبناء الثقة التدريجي (السيناريو المرجَّح)
يرتكز هذا السيناريو على نجاح الطرفين في تنفيذ البنود العاجلة خلال مهلة الـ60 يوماً الانتقالية، والانتقال من مرحلة التهدئة العسكرية إلى الترتيبات السياسية المستدامة.
على الصعيد الاقتصادي والملاحي:
يُعاد فتح مضيق هرمز فوراً وتتدفق إمدادات النفط العالمية بسلاسة، مما يؤدي إلى هبوط حاد في أسعار الطاقة العالمية وتخفيف الضغوط التضخمية. وفي المقابل، تحصل طهران على إعفاءات مؤقتة تُتيح لها بيع نفطها بحرية واستعادة جزء من أرصدتها المجمّدة.
على الصعيد النووي:
تلتزم إيران بالتخلص من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب أو نقله للخارج، مع عودة المفتشين الدوليين لضمان عدم وصولها إلى العتبة النووية، وهو ما وصفه الرئيس ترامب بـ”الجدار” الواقي.
عقبات هذا السيناريو:
يشترط الجانب الأمريكي رفع العقوبات بشكل تدريجي وبناءً على تقييم الأداء والامتثال، بينما تطالب طهران بضمانات أمنية صارمة تمنع واشنطن من توجيه أي ضربات مستقبلية لها.
السيناريو الثاني: الانتكاسة السريعة و”فخ الوكلاء والميدان”
يفترض هذا السيناريو أن الاتفاق الهش قد ينهار في أسابيعه الأولى نتيجة التعقيدات الإقليمية وتعدد الأطراف والفاعلين على الأرض.
الجبهة اللبنانية والإقليمية:
تُعدّ من أكبر مهددات الاتفاق. إذ تسعى واشنطن وباكستان إلى تضمين بنود تُلزم جبهة لبنان، وتحتفظ إسرائيل بحق الرد العسكري الفوري ضد أي تهديدات، وهو ما تعتبره طهران و”محور المقاومة” خرقاً صريحاً للاتفاق.
استبعاد الملفات المعقدة:
تشير التسريبات إلى أن قضايا الصواريخ الباليستية الإيرانية ونفوذ الفصائل الحليفة لها في المنطقة جرى استبعادها من النص الحالي للاتفاق، تركيزاً على إنهاء الحرب المباشرة. هذا الاستبعاد قد يمنح “الصقور” في واشنطن وتل أبيب الذريعة لتعطيل المسار الدبلوماسي إذا ما تحركت هذه الفصائل ميدانياً.
النتيجة المتوقعة:
انهيار سريع لوقف إطلاق النار، وعودة البوارج الأمريكية لفرض الحصار البحري، مما يفتح الباب من جديد لجولة صراع ثانية قد تكون أشد تدميراً للمنطقة.
السيناريو الثالث: “التهدئة الهشة بلا حل نهائي”
سيناريو “لا حرب ولا سلم طويل الأمد”؛ وفيه ينجح الطرفان في الحفاظ على وقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية لحاجة العالم ولحاجة اقتصاد البلدين إلى الهدوء، ولكن دون القدرة على إبرام “اتفاق سلام دائم”.
مراوحة الدبلوماسية:
تدخل المفاوضات في سلسلة لا تنتهي من التمديدات لمهلة الـ60 يوماً، وتتحول المحادثات المتنقلة في عواصم مثل إسلام آباد أو مسقط إلى عملية “إدارة أزمة” بدلاً من “حل الأزمة”.
الواقع على الأرض:
يظل مضيق هرمز مفتوحاً، وتستمر إيرادات النفط الجزئية بالتدفق لإيران، لكن دون رفع كامل للعقوبات، وتظل الأنشطة النووية مجمّدة جزئياً تحت رقابة حذرة، مع بقاء الاستنفار العسكري في أعلى مستوياته على جانبي الخليج.
الخلاصة: القادم أصعب من الحرب
إن توقيع الاتفاق المرتقب يمثّل نهاية الشق العسكري من المواجهة، ولكنه يؤسس لبداية حرب دبلوماسية واقتصادية شرسة لا تخلو من الصدامات. الأيام القليلة القادمة لن تحدد مصير العلاقات الأمريكية – الإيرانية وحسب، بل ستعيد رسم الخارطة الأمنية والاقتصادية للشرق الأوسط بأكمله، وهو ما ينتظره العالم.
تحليل / عميد شرطة (حقوقي) م.
محمد علي عبدالله عبد الدائم
