أولاً: الوضع الميداني الراهن — تصعيد متكرر بلا أفق
إن الضربة العسكرية وحدها لا تُعدّ «نهاية الصراع» حتى الآن، والواقع الميداني يقول العكس.
أحدث التطورات:
شنّت القوات الأمريكية ضربات على مواقع رادار إيرانية ساحلية في «غوروك» وجزيرة «قشم»، وذلك عقب إسقاط أربع طائرات مسيّرة إيرانية كانت متجهة نحو مضيق هرمز. ردّت إيران في غضون ساعات بإطلاق سبعة صواريخ باليستية نحو قواعد أمريكية في الكويت والبحرين.
الهدنة الهشة:
يسري وقف إطلاق النار الهشّ منذ الثامن من أبريل 2026، غير أن الطرفين يتبادلان «الضربات الدفاعية» بصورة شبه يومية. البنتاغون يصفها بأنها «محدودة ودفاعية»، بينما تعتبرها طهران «خرقاً واضحاً للهدنة وعدواناً صريحاً على السيادة».
مضيق هرمز — الشريان المختنق:
مضيق هرمز مُغلق فعلياً رغم إعلان إيران فتحه مؤقتاً في أبريل، إذ لا تتجاوز الحركة الملاحية 5% من مستواها قبل الحرب. أي سفينة تحاول العبور دون إذن طهران تتعرض لإطلاق النار، وقد أعلن الحرس الثوري صراحةً: «المضيق مُغلق، ومن يحاول العبور ستُحرق سفينته».
الضربات العسكرية الأمريكية تهدف إلى «منع التهديدات الفورية للملاحة»، إلا أنها لا تُنهي الصراع المحتدم، بل تزيد التوترات وتُعقّد المفاوضات غير المباشرة الجارية حول البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات.
ثانياً: لماذا الضربة العسكرية غير كافية لإنهاء الأزمة؟
ثمة أسباب جوهرية وفق معطيات الميدان:
السبب الأول — حرب استنزاف بحرية:
تستخدم إيران قوارب صغيرة وألغاماً بحرية وطائرات مسيّرة لإغلاق الممر المائي الحيوي. البنتاغون يضع الآن خططاً لاستهداف هذه القدرات غير المتماثلة تحديداً إذا انهارت الهدنة. تدمير الرادارات لا يوقف القوارب السريعة؛ وهذه معادلة لا تحسمها الضربات الجوية وحدها.
السبب الثاني — أوراق ضغط متبادلة:
أمريكا تفرض «حصاراً بحرياً» على الموانئ الإيرانية، وإيران ترد بإغلاق المضيق الذي يمر عبره 20% من نفط العالم و20% من الغاز المسال. كل طرف يعتبر التراجع عن الضغط «خسارة استراتيجية»، مما يجعل أي حل وسط بالغ الصعوبة.
السبب الثالث — ملفات أوسع من مضيق هرمز:
الجانب الأمريكي يهدف إلى «إسقاط النظام وتدمير البرنامج النووي والصاروخي». صرّح ترامب بأنه لن يوقّع على أي اتفاق «يسمح لإيران بالسيطرة على مضيق هرمز». في المقابل، تطالب إيران برفع الحصار البحري أولاً كشرط لأي هدنة دائمة.
ثالثاً: الدور الإسرائيلي — شريك في الحرب لا مجرد داعم
إسرائيل ليست «داعماً» للعمليات الأمريكية، بل هي طرف مباشر في الحرب منذ بدايتها، وعامل محوري في تشكيل مآلات الأزمة.
المشاركة في الضربات الأولى:
في الثامن والعشرين من فبراير 2026 بدأت إسرائيل والولايات المتحدة سلسلة ضربات مشتركة ضد إيران بهدف «إسقاط النظام». هذه الضربات كانت الشرارة التي دفعت إيران إلى إغلاق مضيق هرمز رداً عليها.
جبهة لبنان المرتبطة بهرمز:
تواصل إسرائيل ضرباتها على جنوب لبنان ضد حزب الله، وقد جعلت إيران أي هدنة دائمة مشروطةً بوقف القتال في لبنان أيضاً. هذا يعني أن ملف غزة ولبنان يؤثر تأثيراً مباشراً على إمكانية فتح مضيق هرمز.
التبادل الصاروخي المباشر:
منذ بداية الحرب تتبادل إسرائيل وإيران ضربات جوية وصاروخية على أراضي كلٍّ منهما. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي أنه وضع خططاً لثلاثة أسابيع إضافية من الحرب مع إيران.
المسار الدبلوماسي — التطبيع شرطاً للتسوية:
صرّح ترامب بأن أي اتفاق نهائي يجب أن يضمّ مزيداً من الدول العربية في «اتفاقيات أبراهام» للتطبيع مع إسرائيل، مما يربط رسمياً نهاية الحرب مع إيران بمسار التطبيع العربي-الإسرائيلي.
الموقف الإيراني الرسمي:
حمّل وزير الخارجية عباس عراقجي «العدوان العسكري الأمريكي-الإسرائيلي» مسؤولية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وطالب الأمم المتحدة بإدانتهما.
الخلاصة
إن الضربة العسكرية الأمريكية الأخيرة على رادارات إيران هي «إدارة أزمة» وليست «إنهاء أزمة»، طالما أن ثمة ثلاث نقاط خلاف جوهرية لم تُحسم:
- السيطرة على مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة الدولية.
- البرنامج النووي الإيراني ومساعيه للتخصيب.
- ملف إسرائيل ولبنان وشروط الهدنة الدائمة.
إسرائيل ليست طرفاً هامشياً في هذه المعادلة؛ فهي شاركت في إطلاق شرارة الحرب، وجبهتها مع حزب الله مرتبطة بشروط الهدنة، وأي تسوية مستقبلية ستمر عبر ملف التطبيع. لذلك سيبقى الصراع مفتوحاً حتى لو توقفت الصواريخ مؤقتاً.
