بقلم / عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن
كثيراً ما تُختزل السياسة في أذهان الناس في الصراع على المناصب والمكاسب والنفوذ، بينما الحقيقة أن السياسة في جوهرها أسمى من ذلك بكثير. فهي ليست معركة لإقصاء الخصوم، ولا سباقاً للاستحواذ على السلطة، وإنما فن إدارة الاختلاف وتوظيف التنوع لخدمة الصالح العام.
لقد عرّف المفكرون السياسة بأنها “فن الممكن”، وهذا التعريف البسيط يحمل في داخله معاني عميقة. ففن الممكن لا يعني التنازل عن المبادئ، وإنما يعني القدرة على التوفيق بين المصالح المتباينة، وملاءمة المتناقضات، وبناء الجسور بين المكونات المختلفة للمجتمع من أجل الوصول إلى حلول تحقق الاستقرار والتنمية وتحفظ وحدة الوطن.
في المجتمعات المتعددة، مثل السودان، لا يمكن لأي حزب أو جماعة أو تيار أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو احتكار تمثيل الشعب. فالوطن أكبر من الأحزاب، وأوسع من الأيديولوجيات، وأبقى من الحكومات المتعاقبة. لذلك فإن نجاح العملية السياسية يقاس بقدرتها على استيعاب التنوع وتحويله من مصدر للخلاف إلى مصدر للقوة.
إن الهدف السامي للسياسة هو خدمة الإنسان. فكل البرامج والخطط والاتفاقيات والمؤسسات يجب أن تنتهي إلى تحسين حياة المواطن، وتوفير الأمن والعدالة والفرص المتكافئة له. فإذا تحولت السياسة إلى غاية في حد ذاتها، وضاع المواطن بين صراعات السياسيين، فقدت السياسة معناها ورسالتها.
أما الأحزاب السياسية، فهي مدارس لإعداد القيادات الوطنية، ومنابر لطرح الرؤى والبرامج، وليست أدوات للخصومة الدائمة أو صناعة الانقسام. ومن حق الأحزاب أن تختلف، بل إن الاختلاف الصحي مطلوب في أي نظام ديمقراطي، لكن الواجب الوطني يقتضي أن تتفق على الثوابت الكبرى التي لا تحتمل المساومة، مثل وحدة البلاد، وسيادتها، وسلامة شعبها، واحترام إرادة المواطنين.
وفي المقابل، فإن منظمات المجتمع المدني تمثل الضمير الحي للمجتمع، ودورها الحقيقي هو سد الفجوات ومعالجة أوجه القصور ودعم جهود التنمية وتعزيز التماسك الاجتماعي. إنها “يد الرتق” التي تصل ما انقطع، وتعين الدولة والمجتمع على تجاوز الأزمات، وتدافع عن قضايا المواطنين بعيداً عن الاستقطاب السياسي الضيق.
ولو أننا اتفقنا على هذه المبادئ البسيطة والعظيمة في الوقت نفسه، لتغير وجه السودان. فحين تصبح السياسة وسيلة للبناء لا للهدم، وعندما تتنافس الأحزاب في خدمة المواطن لا في تبادل الاتهامات، وحين تعمل منظمات المجتمع المدني كشريك في التنمية لا كطرف في الصراع، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن نهضة حقيقية للوطن.
إن الأمم لا تتقدم بكثرة الخلافات، وإنما بقدرتها على إدارة الخلافات. ولا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالعمل المشترك والرؤية الوطنية الجامعة. والسودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذا الفهم الراشد للسياسة، وإلى قيادات تدرك أن التاريخ لا يخلّد الذين انتصروا على خصومهم، بل يخلّد الذين انتصروا لوطنهم.
فلنجعل من السياسة جسراً نحو المستقبل، لا متراساً للتنازع. ولنجعل من الاختلاف وسيلة للإثراء الفكري، لا سبباً للفرقة والانقسام. فالوطن الذي يسع الجميع، لا يبنيه إلا الجميع.
