بقلم/ د. رجاء عبدالله حمد الزبير
يشكل موضوع سن البلوغ والرشد وسن التكليف والمسؤولية الجنائية من أكثر الموضوعات القانونية والفقهية تعقيداً وأهمية، وذلك لتعلقه المباشر بحقوق الطفل وحدود المسؤولية الجنائية ومدى أهلية الإنسان لتحمل التبعات الشرعية والقانونية لأفعاله. وقد ازدادت أهمية هذا الموضوع في السودان بصورة خاصة بعد التعديلات التي أُدخلت على الوثيقة الدستورية لسنة 2019 والقانون الجنائي، سعياً نحو المواءمة بين أحكام الشريعة الإسلامية والالتزامات الدولية والإقليمية المتعلقة بحقوق الطفل.
وقد وقع كثير من الخلط في الكتابات القانونية والفقهية بين مفاهيم البلوغ والرشد والتكليف والمسؤولية الجنائية، رغم أن النصوص الشرعية نفسها فرقت بينها بصورة واضحة. فالبلوغ في الفقه الإسلامي هو اكتمال النضج الجسدي وظهور العلامات الطبيعية المعروفة، ويترتب عليه بدء التكليف الشرعي من حيث الأصل، استناداً إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم». ولذلك اعتبر الفقهاء أن البلوغ يمثل بداية التكليف الشرعي من حيث العبادات والأحكام العامة.
غير أن الشريعة الإسلامية لم تجعل البلوغ مرادفاً للرشد، بل فرقت بينهما بصورة دقيقة في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
فالآية الكريمة اشترطت شرطين مستقلين: بلوغ النكاح أولاً، ثم إيناس الرشد ثانياً. ولو كان البلوغ هو الرشد لما كان لاشتراط الرشد بعد البلوغ معنى. ولذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الرشد يعني حسن التصرف وسلامة التقدير والقدرة على إدارة المصالح والأموال، وهو أمر قد يتحقق بعد البلوغ مباشرة وقد يتأخر بحسب اختلاف الأشخاص والبيئات والخبرات.
ويؤكد القرآن الكريم هذا التدرج في مراحل النضج الإنساني في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، حيث تشير الآية إلى مراحل متعددة تبدأ بالطفولة ثم البلوغ ثم بلوغ الأشد ثم اكتمال النضج والخبرة عند الأربعين. وهذا يدل على أن اكتمال الإدراك والرشد العقلي والنفسي لا يتوقف عند مجرد البلوغ البيولوجي، وإنما هو عملية متدرجة تختلف من إنسان لآخر.
ومن هنا يتضح أن الشريعة الإسلامية تميز بين ثلاثة مفاهيم أساسية: البلوغ باعتباره بداية التكليف الشرعي، والرشد باعتباره اكتمالاً للقدرة على حسن التصرف، ثم الأهلية الكاملة لبعض التصرفات المالية والقانونية التي قد تتطلب قدراً أعلى من الإدراك والخبرة. ولذلك فإن القول بأن البلوغ وحده يعني اكتمال الرشد العقلي والقانوني لا يجد سنداً دقيقاً في النصوص الشرعية ولا في اجتهادات الفقهاء.
أما في القانون الدولي ، فقد اتجهت المواثيق الحديثة إلى وضع معيار عمري محدد لحماية الطفل.
فقد عرفت اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 الطفل بأنه كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون الوطني. كما عرف الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل الطفل بأنه كل شخص يقل عمره عن ثمانية عشر عاماً دون ربط ذلك بالبلوغ الطبيعي أو البيولوجي.
وسارت المواثيق العربية المتعلقة بحقوق الطفل في الاتجاه ذاته، فجعلت الثامنة عشرة الحد الأعلى للطفولة حمايةً للمصلحة الفضلى للطفل وضماناً لعدم إخضاعه لمسؤوليات جنائية أو عقوبات لا تتناسب مع نموه العقلي والنفسي.
وقد شهد الإطار الدستوري السوداني تطوراً مهماً في هذا المجال. فقد نصت المادة (27/3) من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 على أن جميع الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان المصادق عليها من قبل السودان تعد جزءاً لا يتجزأ من وثيقة الحقوق، ثم أعادت الوثيقة الدستورية لسنة 2019 تأكيد المبدأ ذاته في المادة (42/2)، بما يعكس استمرار التزام الدولة السودانية بإدماج المعايير الدولية لحقوق الإنسان ضمن المنظومة الدستورية الوطنية. كما أكدت المادة (50) من الوثيقة الدستورية التزام الدولة بحماية حقوق الأطفال ورعاية مصالحهم الفضلى.
وفي إطار هذا التوجه، جاءت تعديلات سنة 2020 على القانون الجنائي السوداني لتحدث تحولاً مهماً في مسألة المسؤولية الجنائية للأطفال. فقد كان القانون الجنائي لسنة 1991 قبل التعديل يجيز، بموجب المادة (27/2)، توقيع عقوبة الإعدام على من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره في بعض الحالات، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية، خاصة وأن ذلك كان يتعارض مع اتفاقية حقوق الطفل والميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل اللذين يحظران توقيع عقوبة الإعدام على الأطفال.
وقد ترتب على هذا الوضع تقديم عدد من الشكاوى أمام اللجنة الإفريقية لحقوق ورفاهية الطفل بشأن صدور أحكام بالإعدام ضد أطفال بموجب النصوص السابقة للقانون الجنائي السوداني. وأثار ذلك جدلاً واسعاً حول مدى توافق التشريع السوداني آنذاك مع التزاماته الدولية والإقليمية المتعلقة بحماية الطفل، خاصة وأن بعض تلك الأحكام لم يتم تنفيذها وظلت آثارها القانونية والإنسانية قائمة على المحكوم عليهم.
ولمعالجة هذا التعارض، أدخل المشرع السوداني تعديلات مهمة في سنة 2020، من أبرزها تعديل المادة الثالثة من القانون الجنائي، حيث تم تحديد سن البلوغ لأغراض المسؤولية الجنائية بثمانية عشر عاماً. وقد مثل هذا التعديل تحولاً جوهرياً لأنه أزال حالة الازدواج والتعارض التي كانت قائمة بين قانون الطفل والقانون الجنائي فيما يتعلق بتحديد مفهوم الطفل وسن المسؤولية الجنائية، كما أسهم في تحقيق قدر أكبر من الاتساق بين التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية والإقليمية.
كذلك تضمنت التعديلات تعزيز الضمانات القانونية للأطفال المتهمين بارتكاب الجرائم انسجاماً مع المعايير الدولية للعدالة الجنائية الخاصة بالأحداث، والتي تركز على الإصلاح وإعادة التأهيل بدلاً من العقوبات القاسية. وأصبح الاتجاه التشريعي السوداني أكثر وضوحاً في منع تطبيق عقوبة الإعدام على من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره وقت ارتكاب الفعل.
غير أن الإشكالية الأساسية لا تتمثل اليوم في وجود النصوص القانونية الجديدة، وإنما في مدى انعكاسها على أوضاع الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام عن أفعال ارتكبت وهم دون الثامنة عشرة من العمر قبل نفاذ التعديلات.
فبينما أقر المشرع السوداني بصورة واضحة حظر إعدام الأطفال ورفع سن الحماية الجنائية إلى الثامنة عشرة، ظل عدد من هؤلاء المحكوم عليهم يواجهون آثار أحكام صدرت في ظل النظام القانوني السابق.
وهنا تبرز المفارقة القانونية والإنسانية؛ إذ إن الإصلاح التشريعي الذي استهدف حماية الأطفال من عقوبة الإعدام يظل ناقص الأثر إذا لم يمتد إلى معالجة أوضاع الأشخاص الذين شملتهم الأحكام السابقة رغم أنهم كانوا أطفالاً وقت ارتكاب الأفعال المنسوبة إليهم.
فبقاء هذه الأحكام أو آثارها القانونية يتعارض مع الغاية التي سعت إليها التعديلات نفسها، ويثير تساؤلات جدية حول مدى اكتمال عملية المواءمة بين التشريع الوطني والالتزامات الدولية والإفريقية للسودان.
ويلاحظ أن هذه التعديلات لم تكن مجرد استجابة لضغوط خارجية، وإنما يمكن تأسيسها أيضاً على أصول معتبرة في الفقه الإسلامي ذاته، لأن الشريعة الإسلامية فرقت بين البلوغ والرشد، وراعت تفاوت الإدراك العقلي والنفسي بين الأشخاص، كما أن مقاصد الشريعة تقوم على حفظ النفس والعقل وتحقيق العدالة ورفع الضرر.
ولذلك فإن تطوير قواعد المسؤولية الجنائية للأطفال بما يراعي أعمارهم ونضجهم العقلي لا يتعارض بالضرورة مع الشريعة الإسلامية، بل يمكن اعتباره اجتهاداً معاصراً لتحقيق مقاصدها في حماية الإنسان والطفل.
ومن ثم فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في التعارض بين الشريعة الإسلامية والاتفاقيات الدولية، وإنما في كيفية فهم النصوص الشرعية وتنزيلها على الواقع القانوني الحديث، وفي ضمان استفادة جميع الأطفال من الحماية التي قررها القانون الجديد دون تمييز بين من حوكموا قبل التعديل ومن حوكموا بعده.
فالشريعة الإسلامية لم تقل إن كل بالغ يصبح بالضرورة راشداً كامل الإدراك في جميع التصرفات، كما أن القانون الحديث لم ينف وجود الفروق الفردية في النضج، لكنه وضع سناً موضوعية لحماية الأطفال من مخاطر المسؤولية الجنائية المبكرة والعقوبات القاسية.
وقد انتهج السودان خطوات مهمة في هذا الاتجاه من خلال التعديلات الدستورية والقانونية التي هدفت إلى مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية الخاصة بحقوق الطفل، غير أن استكمال هذا المسار يقتضي مراجعة أوضاع جميع الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام عن أفعال ارتكبت وهم دون سن الثامنة عشرة.
فذلك لا يمثل مجرد إجراء قانوني، وإنما يعد اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بروح الإصلاح التشريعي الذي تبنته، وتجسيداً لمبادئ العدالة والرحمة وحماية الكرامة الإنسانية التي تشكل أساساً مشتركاً بين الشريعة الإسلامية وقواعد حقوق الإنسان المعاصرة، بما يكفل لهؤلاء الأشخاص فرصة حقيقية لاستعادة حياتهم ومستقبلهم في إطار من العدالة والكرامة الإنسانية.
