الأربعاء, يونيو 3, 2026
الرئيسيةمقالاتحِينَ يَرْوِي السُّودَانُ حِكَايَتَهُ. شَهَادَةُ وَطَنٍ لَمْ تَنْتَهِ حَرْبُهُ بَعْدُ…...

حِينَ يَرْوِي السُّودَانُ حِكَايَتَهُ. شَهَادَةُ وَطَنٍ لَمْ تَنْتَهِ حَرْبُهُ بَعْدُ… وَمَا زَالَتْ جِرَاحُهُ تَتَكَلَّمُ الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

لو أن للسودان صوتًا يُسمع، لما احتاج إلى شاهد.
فترابه شاهد. ونيله شاهد. وسماؤه شاهد. وكل شجرةٍ وقفت على أطراف القرى والمدن شاهدٌ لا يكذب.
لو أن السودان تكلم اليوم، لما بدأ بأسماء القادة ولا بخطابات السياسة، بل لبدأ بأسماء أبنائه؛ أولئك الذين حملوا الحرب على ظهورهم، ومضوا بها في طرقات النزوح، وفي ليالي الخوف الطويلة، وفي سنواتٍ لم يعد الزمن فيها يُقاس بالأيام، بل بعدد ما فقدوه من أحبةٍ وأحلام.
سيقول لكم:

أنا السودان…
وطنٌ عرف الحروب من قبل، لكنه لم يشهد في تاريخه الحديث جرحًا امتد إلى هذا العمق. لم أفقد أبناءً فقط، بل رأيت الخوف يدخل البيوت بلا استئذان، ورأيت الأمان يغادر الطرقات، ورأيت الإنسان يُجبر على حمل ما لا تطيقه الروح.
رأيت أسرًا تتفرق بين المدن والمخيمات والمنافي. رأيت أطفالًا يكبرون قبل أوانهم، يحملون أسئلةً أكبر من أعمارهم. رأيت أمهاتٍ ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وآباءً يحتفظون بمفاتيح بيوتٍ لم تعد قائمة، وكأنهم يتمسكون بما تبقى من ذاكرة المكان.
لكن أكثر ما رأيته وجعًا لم يكن الدمار الذي أصاب الحجر، بل ما أصاب الإنسان.
فليست كل الجراح تنزف دمًا.

بعضها يختبئ خلف عينين أرهقهما السهر، وخلف ابتسامةٍ تحاول مقاومة الانكسار، وخلف قلبٍ اعتاد أن يرتجف كلما سمع صوتًا يشبه الرصاص.
لقد انتهت معارك كثيرة على الأرض، لكن معارك أخرى ما زالت مستمرة داخل النفوس.
هناك طفلٌ نجا من القصف، لكنه ما زال يستيقظ فزعًا من نومه كل ليلة. وهناك أمٌّ تجلس وسط أبنائها، لكنها ما زالت تعيش لحظة الفقد وكأنها حدثت بالأمس. وهناك رجالٌ ونساءٌ عادوا إلى الحياة، لكن شيئًا في داخلهم بقي عالقًا في تلك الأيام السوداء.

الحرب لا تقتل مرةً واحدة.
أحيانًا تترك الإنسان حيًا، ثم تواصل استنزافه يومًا بعد يوم. تسرق منه النوم، وتبعثر ذاكرته، وتزرع داخله شعورًا دائمًا بالخطر، حتى يصبح الأمان فكرةً يصعب تصديقها.
وهكذا تتحول الحرب من حدثٍ عابر في التاريخ إلى إقامةٍ طويلة داخل الروح.

ولم يكن الألم حكاية أفراد فقط، بل أصبح في كثير من الأماكن حالةً جماعية. في الأحياء والقرى ومراكز النزوح، انتقل الخوف من شخصٍ إلى آخر، وتحوّل الصمت إلى لغةٍ مشتركة بين أناسٍ رأوا من المآسي ما يفوق قدرتهم على التعبير.

من أم درمان إلى الجزيرة، ومن الخرطوم إلى الشمالية ونهر النيل، ومن أطراف الوطن إلى قلبه، حمل الناس آثار الحرب معهم أينما ذهبوا. عاد بعضهم إلى منازلهم، لكنهم لم يعودوا كما كانوا. فالمكان قد يُرمم، أما الإنسان فيحتاج إلى رحلةٍ أطول ليعيد بناء نفسه.

أما دارفور، فقد ظلت الجرح المفتوح في جسد الحكاية.
هناك، لم يكن الناس يواجهون الخوف وحده، بل واجهوا الجوع والنزوح والفقد والانتهاكات وانهيار أبسط مقومات الحياة. وفي الفاشر ومحيطها، وفي المخيمات المكتظة بالنازحين، تراكم الألم حتى صار جزءًا من المشهد اليومي، ووجد كثيرون أنفسهم بين قسوة الواقع وصعوبة الوصول إلى الحماية والرعاية والخدمات الأساسية.
لكن بعض الجراح لم تجد قبرًا أصلًا.

هناك آلامٌ ما زالت تسير بين الناس، لا تُرى في الصور، ولا تُحصى في التقارير، ولا تظهر في الإحصاءات. جراحٌ تعيش في ذاكرة الناجين، وفي صمت الأمهات، وفي خوف الأطفال، وفي نظرات من فقدوا جزءًا من حياتهم ولم يجدوا الكلمات التي تصف ما حدث لهم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو أن يعتاد الناس الألم.
أن يصبح الأرق عادة، والخوف أسلوب حياة، والصمت وسيلةً للبقاء.
وأن يُطلب من الضحايا أن يواصلوا حياتهم وكأن شيئًا لم يحدث.

فالإنسان لا يخرج من الكارثة كما دخلها.
ولهذا فإن الحديث عن إعادة الإعمار لا ينبغي أن يقتصر على الطرق والجسور والمباني. فكل حجر يمكن تعويضه، لكن الإنسان المكسور يحتاج إلى ما هو أكثر من الإسمنت والخرسانة.
يحتاج إلى الأمان.
ويحتاج إلى الاعتراف بمعاناته.
ويحتاج إلى أن يشعر أن ما فقده لم يذهب سدى.
ومن هنا تبرز العلاقة العميقة بين التعافي النفسي والعدالة.

فالكثير من الضحايا لا يبحثون فقط عن نهاية الحرب، بل يبحثون عن الإنصاف. يريدون أن يشعروا أن آلامهم معروفة، وأن تضحياتهم لم تُنسَ، وأن ذاكرة الوطن تتسع لأوجاعهم كما تتسع لآمالهم.
فالسلام الحقيقي لا يقوم على إسكات البنادق وحدها، بل على استعادة ثقة الإنسان في الحياة وفي المجتمع وفي المستقبل.
ولا تكتمل المصالحة بمجرد توقف القتال، بل تحتاج إلى الحقيقة، والاعتراف، وجبر الضرر، واحترام ذاكرة الضحايا، والعمل الجاد حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى.

فالدول لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالإنسان القادر على استعادة ثقته بالحياة وبالمستقبل. وحين تُترك الصدمات النفسية دون علاج أو احتواء، فإن آثار الحرب تستمر حتى بعد صمت المدافع بسنوات طويلة. وقد تُرمَّم الطرق والجسور والمباني، لكن المجتمعات لا تستعيد عافيتها كاملةً إلا حين يجد الإنسان فرصةً للتعافي من الخوف والفقد والقلق المتراكم في داخله. ولهذا فإن الاهتمام بالصحة النفسية ليس ترفًا ولا قضيةً مؤجلة، بل جزءٌ أصيل من حماية المجتمع وإعادة بناء الوطن.

إن الصحة النفسية ليست قضية مؤجلة إلى ما بعد الإعمار، بل هي أساس الإعمار نفسه.
فالمواطن الذي استعاد توازنه النفسي قادر على العمل والبناء والتعليم والإبداع والمشاركة في صناعة السلام. أما الجراح التي تُترك في العتمة، فإنها تظل تنزف بصمت، وقد تعيد إنتاج الألم جيلًا بعد جيل.

أنا السودان…
وما زالت في صدري حكايات كثيرة لم تُروَ بعد.
لكنني أعلم أن الشعوب التي تتمسك بالحقيقة لا تموت.
وأعلم أن الأوطان لا تنهض حين تتجاهل جراحها، بل حين تواجهها بشجاعة.
وأعلم أن الأمل، مهما أثقله الرماد، قادرٌ على النهوض من جديد.
لذلك فإن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ من إزالة آثار الحرب على الأرض فحسب، بل من تضميد آثارها في النفوس.
فالسلام حضورٌ للطمأنينة.
والعدالة حفظٌ للكرامة.
والمصالحة اعترافٌ بالوجع قبل تجاوزه.
وحين تُشفى النفوس، يستطيع الوطن أن ينهض من جديد.
وحين ينهض الإنسان، ينهض السودان معه.
“يكفينا صمتًا خجولًا… فقد آن للجراح أن تُروى، وللعدالة أن تُسمَع، وللوطن أن يتعافى.”

سَلَامًا وَأَمَانًا، فَالعَدْلُ مِيزَانْ
سَلَامٌ عَلَى أَرْوَاحٍ أَعْيَاهَا الخَوْفُ، وَمَا زَالَتْ تَنْتَظِرُ فَجْرَ الطُّمَأْنِينَةِ.
سَلَامٌ عَلَى مَنْ حَمَلُوا وَجَعَ الوَطَنِ فِي صُمُوتِهِمْ، وَحَفِظُوا جَمْرَ الأَمَلِ فِي قُلُوبِهِمْ رَغْمَ الرَّمَادِ.

تَوَقَّعِي ..
أَنَا الرِّسَالَةُ حِينَ يَضِيعُ البَرِيدُ.
أَنَا امْرَأَةٌ مِنْ حِبْرِ النَّارِ؛
أَكْتُبُ لِئَلَّا يَضِيعَ الحَقُّ بَيْنَ الضَّجِيجِ،
وَأَرْفَعُ صَوْتِي لِئَلَّا يَبْتَلِعَ الصَّمْتُ الحَقِيقَةَ.
أَكْتُبُ لِلوَطَنِ حِينَ يَتَعَبُ الكَلَامُ،
وَلِلشُّهَدَاءِ حِينَ تَعْجِزُ الدُّمُوعُ،
وَلِلْأُمَّهَاتِ اللَّاتِي أَضْنَاهُنَّ الانْتِظَارُ،
وَلِكُلِّ رُوحٍ تَشْتَاقُ إِلَى العَدَالَةِ وَالأَمَانِ.
فَإِنْ كَانَ لِلْحُرُوفِ وَطَنٌ…
فَوَطَنِي هُوَ الحَقُّ،
وَإِنْ كَانَ لِلصَّوْتِ رِسَالَةٌ…
فَرِسَالَتِي أَنْ يَبْقَى الإِنْسَانُ إِنْسَانًا.

✍️ عبير نبيل محمد – باحثة مستقلة

•••
إن إعادة بناء السودان تبدأ من الإنسان، وإن التعافي النفسي ليس نتيجةً للسلام فحسب، بل أحدُ شروط تحقيقه واستدامته.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات