الأحد, مايو 31, 2026
الرئيسيةمقالاتبين سطوة الأشخاص وسلطان المنهج: أي طريق يختار سودان الغد؟. ...

بين سطوة الأشخاص وسلطان المنهج: أي طريق يختار سودان الغد؟. بقلم/ اسماعيل الحكيم


إنّ السودان اليوم يمر بمنعطف تاريخي هو الأخطر في تاريخه الحديث ، فحربٌ تدخل عامها الرابع بلا هوادة، لم تدمر البنية التحتية وتشرّد الملايين فحسب، ولكنها وضعت الدولة السودانية بأكملها أمام اختبار الوجود والعدم. وفي خضم هذا الركام، وتباشير البحث عن مخرج تؤسس له “حكومة الأمل” المرتقبة، يبرز السؤال الأزلي والشَرط اللازم لنهضة الأمم: هل سنمضي مجدداً خلف بريق الأشخاص، أم سنحتكم أخيراً إلى صرامة المنهج؟
إن الحاجة التاريخية الملحة التي تواجهنا اليوم ليست حاجة إلى مُخلّص فرد، أو كاريزما عابرة تُدغدغ العواطف ثم تترك البلاد نهباً للفراغ، بل هي حاجة ماسة، بل وجودية، إلى منهج علمي واضح، وسياسات مكتوبة، وبرامج محددة وموقوتة . إن الارتكان إلى المنهج يعني ببساطة: غياب الأشخاص وبقاء النظام، ذوبان الفردانية في مؤسسية الدولة، وتحول السلطة من “امتياز للمسؤول” إلى “آلية لخدمة الوطن”.
ومعلومٌ بالضرورة، في فقه السياسة وبناء الدول، الفرق البيّن والبون الشاسع بين السير خلف منهج أو الانقياد خلف أشخاص. إذ أن خطورة الارتهان للأفراد تكمن في أن مصير الأمة يُصبح معلقاً بأمزجتهم وتحولاتهم؛ فإن غاب الشخص غابت الحكومة وانفرط عقدها، وإن ضلّ السبيل ضلّت الدولة بأكملها وتاهت في غياهب الفوضى. أما وجود المنهج العلمي الراسخ، فإنه يختزل قيمة الأشخاص الفردية إلى “الصفر الافتراضي”، فلا يتوقف الأداء، ولا تهتز البنية، ولا يتأثر المسار برحيل (زيد) أو غياب (عمرو)؛ فالجميع تروس في آلة دولة تدور وفق قانون منضبط.
إن ما يشهده السودان من تمزق وصراع مرير، يفرض على الجميع ترفعاً فوق الانتماءات الضيقة، ويجعل من التواطؤ على منهج حتميّة لا مناص منها، وضرباً لازماً من ضروب الوطنيّة الحقة. فالتواطؤ هنا ليس مؤامرة في خفاء، إنما هو إجماع وطني معلن على سياسات اقتصادية، واجتماعية، وأمنية واضحة لا تحيد عنها الحكومة أياً كان جالسٌ على كرسي دفتها.
إن “حكومة الأمل” لن تشق طريقها وسط هذا الركام إلا إذا اتخذت من المنهجية العلمية بوصلة، ومن المؤسسية جداراً عازلاً ضد تقلبات الأهواء. لقد دفع الشعب السوداني من دمه واستقراره أثماناً باهظة لسياسات “الشخصنة” والارتجال، ولم يعد في قوس الصبر منزع لإنتاج ذات الأخطاء.
المعادلة واضحة ولا تقبل القسمة: إما دولة المنهج والمؤسسة التي تدوم، أو دولة الشخص والولاء التي تزول بزواله. فهل تستوعب النخبة القادمة هذا الدرس المصيري؟ وهل تجد هذه الصيحة عقولاً واعية وقلوباً نابضة بحب هذا الوطن؟
فهل من مستجيب؟!

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات