الجمعة, مايو 29, 2026
الرئيسيةمقالاتعلي حافة الحقيقة!! ادعاء...

علي حافة الحقيقة!! ادعاء الأحقية الزائفة في حق الشعوب: حين تتحول العنصرية إلى خطاب لتبرير الفصل المزاجي للأقاليم

الاستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
                كاتب ومحلل سياسي

في بعض الخطابات السياسية والفكرية داخل السودان، يظهر نمط بالغ الخطورة من التفكير، لا يكتفي بنقد الأوضاع أو المطالبة بالإصلاح، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاج خطاب عنصري صريح أو مُقنّع، يصنّف إقليماً كاملاً باعتباره “عبئاً” أو “جسماً غريباً” لا يشبه الآخرين، ويستحق – وفق هذا المنطق – الإقصاء أو الفصل.
هذا النوع من الخطاب لا يقف عند حدود التحليل السياسي، بل ينزلق إلى تجريد جماعات بشرية من قيمتها السياسية والإنسانية، عبر تعميمات تختزل التنوع الاجتماعي والتاريخي في صورة واحدة سلبية، ثم تُبنى عليها نتائج قصوى مثل الدعوة إلى الفصل أو البتر السياسي.
المفارقة أن هذا الخطاب، رغم طبيعته الإقصائية، يُقدَّم أحياناً تحت شعارات كبرى مثل “حق تقرير المصير”، وكأن المبدأ الدولي النبيل الذي وُلد لحماية الشعوب من الاستعمار، يمكن أن يُستخدم لتبرير إعادة إنتاج منطق الإقصاء نفسه ولكن بلسان داخلي.
هنا تتجلى ما يمكن تسميته بـ“الأحقية الزائفة”: حين تتبنى نخب سياسية أو فكرية خطاباً يتحدث عن مصير إقليم لا تنتمي إليه، ثم تذهب أبعد من ذلك بوصفه بأنه كيان غير قابل للاندماج، أو أنه عبء يجب التخلص منه، وكأن الحل السياسي للأزمات الاجتماعية هو الاستئصال بدل الإصلاح.
إن أخطر ما في هذا التصور أنه لا يعالج جذور المشكلة، بل يهرب منها عبر تحويلها إلى مسألة هوية مغلقة: بدل البحث في أسباب التهميش، أو خلل توزيع السلطة والثروة، أو فشل الدولة في إدارة التنوع، يتم اختزال الأزمة في وجود “الآخر المختلف” الذي يجب فصله.
وبهذا يتحول الخطاب من نقاش سياسي حول الدولة إلى خطاب إقصائي يعيد تعريف الإنسان نفسه خارج إطار المواطنة، ويدفع باتجاه حلول نهائية تقطع مع فكرة العيش المشترك.
إن التجارب التاريخية تثبت أن توصيف أي إقليم أو جماعة بشرية بوصفها “عبئاً” ليس سوى بداية لمسار خطير، لأن هذا النوع من التصنيف لا ينتهي عند حدود الجغرافيا، بل يفتح الباب أمام شرعنة العنف الرمزي والسياسي، وإعادة إنتاج الانقسام في صور أكثر حدة.
وفي المقابل، فإن معالجة الأزمات الوطنية لا يمكن أن تتم عبر منطق “البتر السياسي”، بل عبر إصلاح جذري لبنية الدولة، وإعادة بناء العدالة، وتوسيع قاعدة المواطنة المتساوية، بما يجعل الانتماء الوطني جامعاً لا انتقائياً.
إن حق الشعوب في تقرير مصيرها لا يمكن أن يتحول إلى أداة في يد نخب تتبنى خطاباً إقصائياً، أو وسيلة لتبرير الفصل على أساس تصنيفات عنصرية، لأن ذلك يفقد المبدأ معناه الأخلاقي والقانوني، ويحوّله إلى غطاء لصراعات لا تنتهي.
في النهاية، تبقى الحقيقة الجوهرية أن الأوطان لا تُدار بمنطق “الأجسام التي تُبتر”، بل بمنطق الشراكة والإصلاح. وأي خطاب يخرج من هذا الإطار، لا يعبر عن حق الشعوب، بل عن أزمة في رؤية الدولة ذاتها.
               ،،، سروري مع خالص تحياتي ،،،
                     وكل عام وانتم بخير

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات