من المؤلم حقًا أن تتحول بعض السلوكيات الخاطئة مع مرور الزمن إلى أمرٍ عادي في نظر الناس، حتى يفقد المجتمع إحساسه بخطورة ما يفعل. ومن أخطر هذه الظواهر التي انتشرت خلال فترة الحرب وما بعدها ظاهرة استعمال الكهرباء خارج العداد، أو ما يُعرف محليًا بـ”الجباد”.
فبعد اندلاع الحرب وتعطل أنظمة هيئة الكهرباء وخروج أجزاء واسعة من الشبكة عن الخدمة، وجدت الهيئة نفسها في ظروف استثنائية معقدة، وفقدت القدرة على متابعة التغذية والتحصيل والرقابة الفنية، فاستغل البعض هذا الانهيار المؤقت وقاموا بتوصيل الكهرباء بطرق غير قانونية بعيدًا عن العدادات.
وربما كان البعض يومها يبرر ذلك بظروف الحرب والانفلات وتعطل الخدمات، لكن ما الذي يبرر استمرار هذه الممارسة اليوم بعد تحرير المدن والعاصمة واستعادة مؤسسات الدولة لعملها وعودة أنظمة هيئة الكهرباء تدريجيًا؟
إن استمرار “الجباد” بعد عودة الدولة ليس مجرد مخالفة فنية، بل هو اعتداء مباشر على حق الوطن والمواطن معًا. لأنه ببساطة لا يمكن أن تطالب بكهرباء مستقرة وخدمة محترمة وأنت لا تدفع قيمة ما تستهلكه.
كيف تستقيم المعادلة؟ كيف نطالب الهيئة بتحسين الشبكات وصيانة المحطات وشراء المحولات ودفع مرتبات العاملين بينما هناك آلاف المنازل والمحال تستهلك الكهرباء مجانًا وعلى حساب الآخرين؟
إن الكهرباء ليست سحرًا، بل خدمة مكلفة تحتاج إلى إنتاج وصيانة ووقود وقطع غيار وكوادر فنية وتمويل مستمر. وعندما تنتشر السرقة والتهرب، فإن النتيجة الطبيعية هي ضعف الخدمة والانقطاعات المتكررة وانهيار الشبكة بالكامل.
ويا له من عار أن يتحول بعض الناس من ضحايا للحرب إلى مشاركين في تخريب ما تبقى من مؤسسات الوطن!
إن أخطر ما في “الجباد” أنه لا يضر الدولة وحدها، بل يظلم المواطن الشريف الذي يلتزم بالدفع ويشحن عداده بماله المحدود، بينما يشاهد آخرين يستهلكون أضعاف ما يستهلك دون التزام أو مسؤولية.
أي عدالة هذه؟ وأي ضمير يقبل بذلك؟
إن بناء الدول لا يتم بالشعارات ولا بالصراخ على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بالالتزام واحترام القانون وتحمل المسؤولية الوطنية. ومن يريد كهرباء مستقرة فعليه أولًا أن يكون جزءًا من حماية هذا المرفق الحيوي لا سببًا في استنزافه.
إننا اليوم بحاجة إلى حملة وطنية وأخلاقية قبل أن تكون قانونية، لإيقاف هذه الظاهرة الخطيرة، وعلى المواطنين أن يدركوا أن سرقة الكهرباء ليست “شطارة” ولا “فهلوة”، بل هي فساد مكتمل الأركان يساهم في تدمير الخدمات وإضعاف الدولة.
كما أن على الجهات المختصة أن تتحرك بحزم عبر:
إزالة التوصيلات العشوائية فورًا.
تشديد العقوبات على المخالفين.
تسهيل إجراءات تركيب العدادات.
نشر الوعي المجتمعي بخطورة الظاهرة.
دعم هيئة الكهرباء لاستعادة كامل قدراتها الفنية والإدارية.
إن الوطن الذي ننشده لا يمكن أن يُبنى بالعشوائية والتعدي على الحقوق العامة. فإما أن نكون شعبًا يحترم مؤسسات دولته ويلتزم بواجباته، أو نظل ندور في دائرة الانهيار والخدمات المتردية.
قال تعالى:
﴿مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾
فلنراجع أنفسنا قبل أن نلوم الدولة، لأن الأوطان لا تسقط فقط بالحروب، بل تسقط أيضًا عندما يفقد الناس احترامهم للحق العام.
