زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي مستقل
على حافة الحقيقة نمضي بثبات… نكأً لجراحٍ غائرة في عمق المجتمع السوداني؛ ريفه وحضره، شماله وغربه، شرقه وجنوبه… لا بحثاً عن بواطن تلك الجراح، بل إيماناً بأن الأوطان لا تُشفى بستر عللها، وأن أخطر الأزمات هي تلك التي تكبر بصمت تحت غطاء العادة والمجاملة. فالعنصرية حين تتخفى في اللغة والسلوك اليومي تصبح أكثر فتكاً من الكراهية المعلنة.
ليست كل أشكال العنصرية في السودان تُمارس بالصوت العالي أو عبر خطاب كراهية مباشر. فهناك نوع أكثر هدوءاً وخطورة، يتسلل إلى المجتمع في شكل كلمات عابرة، ونكات يومية، وتصنيفات اجتماعية تبدو للكثيرين “طبيعية” أو “عادية”، بينما هي في حقيقتها تساهم في إعادة إنتاج الانقسام والكراهية بصورة مستمرة. إنها العنصرية الناعمة… ذلك المرض الاجتماعي الذي ينخر في الوعي السوداني من الداخل.
المشكلة الكبرى أن هذا النوع من العنصرية لا يثير الصدمة غالباً، لأن الناس اعتادوا عليه حتى أصبح جزءاً من الثقافة اليومية. فحين يتم اختزال جماعة بشرية كاملة في صفة محددة، أو ربط منطقة جغرافية بعقلية معينة، فإن الأمر لا يكون مجرد مزاح اجتماعي بريء، بل عملية تنميط خطيرة تصنع أحكاماً مسبقة وتغذي مشاعر العزل والاستعلاء.
في السودان، نجد أن كثيراً من الناس يتعاملون مع أبناء بعض المناطق وفق صور ذهنية جاهزة؛ فهناك من يُنظر إليه باعتباره “أقل تحضراً”، وهناك من يُتهم بالتعالي أو العنف أو الجهل فقط بسبب انتمائه القبلي أو الجغرافي. ومع تكرار هذه الصور داخل المجالس ووسائل التواصل والإعلام الشعبي، تتحول الفكرة تدريجياً من مجرد انطباع إلى قناعة اجتماعية راسخة.
ومن أكثر أشكال العنصرية الناعمة حضوراً، تلك المرتبطة بلون البشرة. فرغم أن السودان بلد شديد التنوع، إلا أن بعض الناس ما زالوا يربطون القبول الاجتماعي أو الجمال أو “المكانة” بدرجات معينة من اللون، بينما تُستخدم أوصاف أخرى بصورة تحمل قدراً واضحاً من الاحتقار أو التقليل من القيمة الإنسانية.
كما تظهر هذه العنصرية في العلاقات الاجتماعية والزواج، حين تُرفض المصاهرة مع مجموعات بعينها ليس بسبب الأخلاق أو الدين أو السلوك، بل فقط بسبب القبيلة أو الجهة أو اللون. وهنا تتحول العنصرية من مجرد كلمات إلى بنية اجتماعية كاملة تعمق الحواجز النفسية بين السودانيين.
أما النكات الساخرة التي تستهدف جماعات محددة، فهي من أخطر أدوات العنصرية الناعمة، لأنها تُقدَّم دائماً باعتبارها “دعابة عادية”، بينما هي في الواقع تعمل على ترسيخ صورة دونية عن فئات بشرية كاملة. والمشكلة أن هذا الخطاب ينتقل من جيل إلى جيل حتى يصبح جزءاً من الوعي الجمعي.
ولا تقف المسألة عند المجتمع فقط، بل تمتد أحياناً إلى مؤسسات الدولة وسوق العمل والفضاء العام، حيث تُمنح الفرص أو تُحجب بصورة غير معلنة بناءً على الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو شبكة العلاقات المرتبطة به. وهذا النوع من الإقصاء الصامت أخطر من التمييز المعلن، لأنه يحدث دون قوانين واضحة لكنه يترك آثاراً عميقة في النفوس.
لقد دفعت السودان أثماناً باهظة بسبب تجاهل هذه القضية لعقود طويلة. فالكثير من الصراعات التي انفجرت في الأطراف لم تكن مجرد أزمات سياسية أو اقتصادية، بل كانت أيضاً نتيجة تراكمات نفسية وشعور عميق بالتهميش والاستعلاء وعدم المساواة.
إن أخطر ما في العنصرية الناعمة أنها لا تبدو جريمة في نظر كثير من الناس، مع أنها تقتل روح الوطن ببطء. فهي تبدأ بتنميط بسيط، ثم تتحول إلى عزلة اجتماعية، ثم إلى احتقان، ثم إلى إقصاء، وفي النهاية قد تنتهي إلى صراع مفتوح يدفع الجميع ثمنه.
السودان اليوم بحاجة إلى مراجعة أخلاقية وثقافية شجاعة، تعيد تعريف العلاقة بين مكوناته على أساس المواطنة والاحترام المتبادل، لا على أساس القبيلة أو اللون أو الجهة. لأن الوطن لا يمكن أن يبقى موحداً إذا ظل بعض أبنائه يشعرون أنهم أقل قبولاً أو أقل استحقاقاً من غيرهم.
وفي تقديري، فإن معركة السودان القادمة ليست فقط مع الحرب والسلاح، بل مع الأفكار الصغيرة التي تعيش داخل العقول وتنتج الكراهية كل يوم في صمت. فالدول لا تسقط فقط بالبندقية… أحياناً تسقط بالنكات، وباللغة، وبالاستعلاء الذي يلبس ثوب العادية.
،،، سروري مع خالص تحياتي،،،
