بقلم:محمد حسن سفيان
كلاسيكيات الأزمات الاقتصادية في الدول النامية؛ حيث تتحول القرارات التي يُفترض أن تكون “وقائية وتدريجية” إلى “علاج بالكي” يُفرض فرضاً تحت وطأة الانهيار أو الشروط القاسية للمؤسسات الدولية.
دعونا نُفكك هذه الرؤية إلى محورين أساسيين:
أولاً: معضلة تأجيل القرارات المصيرية (الدعم نموذجاً)
تخوف الحكومات من ردة الفعل الشعبي (الخوف من القلاقل السياسية أو الاحتجاجات) يؤدي دائماً إلى ما يُعرف بـ “التكلفة المضافة للتأجيل”.
التدرج المفقود: لو تم رفع الدعم عبر خطة خمسية أو عشرية (مثلاً: خفض بنسبة 10% سنوياً) مع توجيه الفائض مباشرة إلى شبكات الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم، لتقبلها الهيكل الاقتصادي دون صدمات.
التنفيذ تحت الضغط: التردد يجعل الحكومات تُنفذ القرار والبلاد في أسوأ حالاتها الاقتصادية (تضخم مرتفع، انهيار للعملة، وظروف حرب أو أزمات). النتيجة تكون أن المواطن يتحمل “جرعة الدواء المر كاملة” دون أن تملك الدولة في ذلك الوقت الكاش الكافي لتعويضه أو حمايته، مما يؤدي إلى سحق الطبقة الوسطى تماماً.
ثانياً: ترهل الخدمة المدنية ومعضلة “الموظفين المعلقين”
اما بشأن ملف العاملين في الدولة يلمس واقعاً شديد الحساسية، خصوصاً في أوقات الأزمات والحروب التي توقفت فيها الإنتاجية في العديد من القطاعات الحكومية.
الوضع الراهن:
ترك الموظفين منازلهم مع صرف رواتب تآكلت قيمتها الشرائية بفعل التضخم والحرب جعل هذه الرواتب “أرقاماً مجردة” لا تكفي لإعالة أسرة لأيام. الدولة هنا تدفع مبالغ (حتى وإن كانت لا تشكل عبئاً كبيراً على الميزانية الآن بسبب التضخم)، لكنها في المقابل تشتري سِلماً اجتماعياً مؤقتاً على حساب الكفاءة وتجميد طاقات بشرية هائلة.
البديل المقترح (التسريح الجزئي والمقابل المجزي):
منظور “التسريح بمقابل مجزٍ لبدء حياة جديدة” هو الحل الجراحي الأكثر كفاءة إذا ما تم تصميمه بذكاء، وذلك لعدة أسباب:
تحويل المستهلك إلى منتج: إعطاء الموظف مكافأة نهاية خدمة ضخمة ومجزية ويمنحه رأس المال الصغير الذي يحتاجه لبدء مشروع زراعي، تجاري، أو خدمي. هذا ينقل الكتلة البشرية من خانة “العبء المنتظر للراتب أو المعاش” إلى خانة “المنتج والمحرك للاقتصاد المحلي”.
إنهاء حالة “الانتظار السلبي”: بقاء الموظف معلقاً حتى سن المعاش في ظروف الحرب والركود يقتل الروح الابتكارية لديه ويجعله رهيناً لانتظار الفرج من دولة تعاني أصلاً. بينما خروجه بتسوية عادلة يمنحه “حسم الخيارات” والبدء فوراً في إعادة ترتيب حياته.
تخفيف فاتورة المعاشات المستقبلية: الصندوق القومي للمعاشات يواجه معضلات حقيقية في أوقات الحروب؛ حيث تنخفض الاشتراكات وتزداد الالتزامات مع خروج أعداد كبيرة للمعاش دون وجود تدفقات مالية حقيقية تغذي الصندوق، مما يهدد بانهيار المنظومة برمتها مستقبلاً.
الإرادة السياسية الشجاعة هي التي تدرك أن “التكلفة السياسية للقرار الصحيح في وقت السلم، أقل بكثير من تكلفته الاقتصادية والاجتماعية في وقت الأزمات”. إعادة هيكلة الخدمة المدنية وإلغاء الترهل عبر “الخروج الكريم والتمكين الاقتصادي” للموظف أفضل بآلاف المرات من تركه معلقاً بحبال رواتب ومعاشات ميتة إكلينيكياً.
لمعالجة هذا الترهل انسب طريق فتح باب “المعاش المبكر الاختياري” هو الحل الذكي والآلية الأكثر مرونة وقبولاً لتفكيك هذه المعضلة. الميزة الجوهرية هنا هي كلمة “الاختياري”؛ فهي ترفع عن كاهل الحكومة الحرج السياسي والاجتماعي، وتحول المسألة من “تسريح قسري” قد يواجه برفض شعبي ونقابي، إلى “فرصة استثمارية” يقبل عليها الموظف بكامل إرادته.
لإنجاح هذه الآلية وتحقيق الهدف منها دون التسبب في آثار جانبية (مثل التضخم أو فشل المشاريع الجديدة)، يمكن للحكومة تصميم البرنامج بناءً على المحاور التالية:
1. هندسة “المقابل المجزي” (تجنب فخ السيولة والتضخم)
إذا قامت الدولة بصرف مبالغ نقدية ضخمة (كاش) لآلاف الموظفين في وقت واحد، فإن هذه السيولة ستنزل إلى السوق وتؤدي فوراً إلى زيادة الطلب على السلع والعملات الأجنبية، مما يرفع التضخم وتتآكل قيمة التعويض نفسه. الحل يكمن في “التعويض الذكي المتنوع”:
حزمة النقد والأصول: جزء من المقابل يكون نقدياً (لتسيير الأمور العاجلة)، والجزء الأكبر يتم تحويله إلى أصول إنتاجية عينية (مثل: أراضي زراعية، خطوط إنتاج صغيرة، منافذ تجارية، أو أسهم في شركات حكومية ناجحة جرى تخصيصها).
2. التحول من “موظف مستهلك” إلى “رواد أعمال” (حاضنات الإنتاج)
الخوف الأكبر من المعاش المبكر هو أن يأخذ الموظف التعويض وينفقه على الاستهلاك اليومي، ليجد نفسه بعد عامين بلا دخل وبلا وظيفة. لمنع ذلك، يجب ربط المعاش المبكر ببرنامج وطني للتمكين الاقتصادي:
التدريب والتحويل المهني: إخضاع الموظفين الراغبين في المعاش المبكر لدورات مكثفة في إدارة المشاريع الصغيرة، المحاسبة، أو المهن الفنية والزراعية الحديثة.
المشاريع الجاهزة: بدلاً من ترك الموظف يحتار في كيفية استثمار أمواله، تُقدم له الدولة “امتيازات تجارية وصناعية جاهزة” أو دراسات جدوى معتمدة في قطاعات تحتاجها الدولة (كالأمن الغذائي، والصناعات التحويلية الصغيرة).
3. الفوائد المشتركة (دولة رشيدة ومواطن منتج)
من خلال هذه الآلية، تتحقق معادلة الكسب المتبادل :
للمواطن (الموظف سابقاً) للدولة والاقتصاد الوطني
الحسم والخروج من حالة الانتظار: التحرر من الراتب الجامد وبدء مشروع يمتلكه ويديره بنفسه. ترشيق الخدمة المدنية: التخلص من الترهل الإداري والوظائف الهامشية التي تعيق المعاملات.
تأمين مستقبل الأبناء: بناء أصل إنتاجي (مزرعة، ورشة، متجر) يمكن توريثه والاعتماد عليه، عكس الوظيفة الحكومية. تخفيف العبء المستقبلي: تقليص الالتزامات طويلة الأجل على صندوق المعاشات والميزانية العامة.
استغلال الطاقة في سنوات العطاء: الخروج في سن (40 – 50) يمنح الشخص الطاقة البدنية والذهنية للتأسيس والنجاح. تحفيز الاقتصاد الحقيقي: تحويل آلاف الأفراد من قطاع الخدمات المستهلكة إلى قطاع الإنتاج الفعلي.
في الختام: المعاش المبكر الاختياري المقترن بحوافز إنتاجية هو بمثابة “إعادة ضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد”. هو يمنح الموظف “صك الأمان والحرية المالية” لبدء حياته، ويمنح الدولة الفرصة لإعادة بناء جهازها الإداري على أسس الكفاءة الرقمية والرشاقة المؤسسية، بدلاً من إهدار الموارد في تسيير جهاز إداري معطل بفعل ظروف الحرب والأزمات.
