الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةمقالاتعلي حافة الحقيقة!! قراءة استراتيجية في...

علي حافة الحقيقة!! قراءة استراتيجية في أخطر منعطف للعلاقات السودانية الإثيوبية. زكريا علي عبدالرسول كاتب ومحلل سياسي مستقل

لم يعد التوتر المتصاعد بين السودان وإثيوبيا مجرد خلاف دبلوماسي عابر يمكن احتواؤه عبر بيانات التهدئة التقليدية، بل بات مؤشراً على تحول أعمق في طبيعة التوازنات داخل القرن الإفريقي، المنطقة التي أصبحت اليوم واحدة من أكثر بؤر العالم هشاشة وتعقيداً من الناحية الجيوسياسية. فالمعطيات المتداولة إن صحت تلك الانباء ، بشأن طرد السفير السوداني من أديس أبابا، مقابل إمهال البعثة الدبلوماسية الإثيوبية لمغادرة الخرطوم خلال ساعات، مع الاتجاه نحو إغلاق المجال الجوي السوداني أمام الطيران الإثيوبي، تعني أن العلاقة بين البلدين انتقلت من مرحلة “الخلاف السياسي القابل للاحتواء” إلى مرحلة “إدارة الخصومة الاستراتيجية”، وهي مرحلة شديدة الحساسية في علم العلاقات الدولية، لأن الدول حين تلجأ إلى أدوات السيادة الصلبة كإغلاق الأجواء أو تفكيك التمثيل الدبلوماسي، فإنها لا تعبّر فقط عن غضب سياسي مؤقت، بل تعلن عملياً أن الثقة الاستراتيجية بين الطرفين قد تعرضت لتآكل خطير.
غير أن قراءة الأزمة من زاوية الملفات التقليدية وحدها، كالفشقة أو سد النهضة أو تداعيات الحرب السودانية، تبقى قراءة ناقصة؛ لأن ما يجري في العمق يتجاوز هذه العناوين إلى صراع خفي حول شكل النفوذ والتوازن داخل القرن الإفريقي نفسه. فإثيوبيا، التي سعت خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة تعريف موقعها كقوة إقليمية مركزية، باتت تنظر إلى محيطها الجغرافي باعتباره مجالاً حيوياً لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، سواء عبر التمدد الاقتصادي أو النفوذ السياسي أو التحكم في مسارات التأثير الإقليمي. وفي المقابل، ينظر السودان، وهو يعيش واحدة من أعقد مراحله الداخلية، إلى أي تمدد إثيوبي غير محسوب باعتباره تهديداً مباشراً لأمنه القومي، خاصة في ظل هشاشة الدولة السودانية وتعدد مراكز القوة المسلحة داخلها. ومن هنا بدأت كل خطوة من الطرف الآخر تُقرأ باعتبارها رسالة تهديد لا مجرد تحرك سياسي عادي، وهي أخطر نقطة يمكن أن تصل إليها العلاقات بين الدول، لأن الأزمات الكبرى لا تنفجر دائماً بسبب الوقائع نفسها، بل بسبب طريقة تفسير النوايا خلف تلك الوقائع.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن إغلاق المجال الجوي السوداني أكثر خطورة مما يبدو ظاهرياً، فالمسألة ليست مجرد قرار فني يتعلق بالطيران المدني، وإنما ورقة ضغط سيادي ذات أبعاد استراتيجية عميقة. فالسودان يحتل موقعاً محورياً في الربط الجوي بين شرق إفريقيا وشمالها وغربها، وأي قيود على حركة الطيران الإثيوبي تعني عملياً استخدام الجغرافيا كأداة ضغط سياسي في معركة الإرادات الإقليمية. لكن المشكلة أن مثل هذه الخطوات لا تبقى أحادية التأثير، لأن إثيوبيا ليست دولة هامشية داخل الإقليم، بل تمتلك بدورها أدوات ضغط وتحالفات وشبكات نفوذ معقدة، ما يجعل احتمالات الرد غير المباشر قائمة بقوة، سواء عبر تشديد الحضور الأمني قرب الحدود، أو إعادة تنشيط أوراق النفوذ داخل المشهد السوداني، أو توسيع تحالفاتها الإقليمية بصورة أكثر حدة تجاه الخرطوم. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن المنطقة قد تنزلق تدريجياً إلى نمط جديد من “الحرب الباردة الإقليمية” التي لا تقوم على المواجهة العسكرية المباشرة، بل على الاستنزاف السياسي والأمني والاقتصادي طويل المدى.
الأخطر من كل ذلك أن الأزمة الحالية تأتي في توقيت بالغ الهشاشة بالنسبة للطرفين. فالسودان يعيش حرباً داخلية مدمرة استنزفت مؤسسات الدولة وأضعفت قدرتها على إدارة التوازنات الخارجية، بينما تواجه إثيوبيا تحديات إثنية وأمنية واقتصادية معقدة تجعلها شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب على حدودها الغربية. وهذا يعني أن أي تصعيد غير محسوب قد يدفع الطرفين إلى خيارات لا يملكان فعلياً القدرة على تحمل نتائجها. كما أن القرن الإفريقي نفسه يشهد مرحلة إعادة اصطفاف واسعة، حيث تتسابق قوى إقليمية ودولية على النفوذ في البحر الأحمر والممرات الاستراتيجية، بينما تتشكل تحالفات جديدة تقوم على المصالح الأمنية والاقتصادية أكثر من أي اعتبارات أيديولوجية أو تاريخية. وفي ظل هذا المناخ، فإن استمرار العداء بين الخرطوم وأديس أبابا لن يبقى مجرد أزمة ثنائية، بل سيتحول إلى عنصر إضافي في فوضى إقليمية مفتوحة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات داخل المنطقة بأكملها.
وربما تكمن المعضلة الأكبر في أن الطرفين يبدوان وكأنهما يتحركان بمنطق “تحسين شروط التفاوض عبر التصعيد”، دون وجود ضمانات حقيقية تمنع هذا التصعيد من الخروج عن السيطرة. فحين تتآكل الثقة الاستراتيجية، تصبح حتى الحوادث الصغيرة قابلة للتحول إلى أزمات كبرى، لأن غياب قنوات التواصل الفعالة يفتح الباب أمام سوء التقدير وسوء الفهم والتفسيرات العدائية المتبادلة. ولهذا فإن احتواء الأزمة لا يمكن أن يتم عبر التصريحات الإعلامية أو لغة التعبئة السياسية، وإنما عبر إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة الأمنية والسياسية بين البلدين، ولو بصورة مؤقتة. فالمطلوب الآن ليس اتفاقاً تاريخياً شاملاً، بل منع الانزلاق نحو نقطة اللاعودة، وذلك عبر إعادة فتح القنوات الأمنية المغلقة بعيداً عن الإعلام، والفصل بين الملفات الخلافية وعدم دمجها في سلة واحدة، إلى جانب تدخل إفريقي عاجل بقيادة الاتحاد الإفريقي لاحتواء التوتر قبل أن يتحول إلى صراع إقليمي مفتوح.
وفي النهاية، فإن أخطر الأزمات في العلاقات الدولية ليست تلك التي تبدأ بإطلاق النار، بل تلك التي تبدأ بفقدان الثقة، ثم تتطور إلى إغلاق السفارات والحدود والأجواء، لأن الدول حين تصل إلى مرحلة إغلاق السماء بين بعضها البعض، فإنها لا توقف فقط حركة الطائرات، بل تدخل أيضاً في فضاء سياسي ونفسي جديد تحكمه الشكوك والهواجس وإعادة تعريف التحالفات والخصومات. ولهذا فإن الأزمة السودانية الإثيوبية الراهنة يجب ألا تُقرأ باعتبارها حادثة دبلوماسية عابرة، بل باعتبارها إنذاراً مبكراً بأن القرن الإفريقي يقف مرة أخرى على حافة تحول استراتيجي خطير قد يعيد تشكيل مستقبل المنطقة بأسرها.
        ،،، سروري مع خالص تحياتي،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات