الدموع كالمطر تارة ينزل ليغسل الأرض و يطهرها من الآفات و فيروسات الأمراض…. و تارة ينزل ليسقي الأرض فتتزين و تنبت نباتاً ذا بهجةٍ و (أُكُل) ، فتتهلل الأسارير و تنشرح الصدور ، و ترق القلوب ، و تهفو الروح ، و تلتئم الجروح و (هذا) مطر خير …….
و أحياناً ينزل عقاباً و عذاباً ( و لقد أتُوا على القرية التي أُمْطِرت مطر السَّوء ) …..
و مطرٌ خادع يبدو خفيفاً و مطمئناً بخير لكنه يحمل بين طيات سحابه عواصف و أعاصير و سيول مدمرة…..
و الدموع كذلك…. منها دموع تتنزل من أثر البصل أو الدخان لترطيب العين…..و دموع حزن من ألم جسدي ، أو فقد عزيز أو هجر حبيب و ديار…. و يقال أن أبونا آدم عليه السلام عندما فارق الجنة ندم و بكى بكاءً يعدل بكاء أهل الأرض…..
و دموع وفاء و عاطفة تتنزل فرحاً بلقيا عزيز أو حبيب أو لنزول نعمة أو لتقوى في القلب أو انتصار. و قد قال فيها الشاعر ابراهيم ناجي :
و مسحتُ بالقُبلات أدمُعَها * وطبعتُ ميثاقي على فَمِها…
أي أنه استخدم القبلات بدلاً من اليد لمسح دموع محبوبته وطبع قبلةً على فمها ( كالختم) توثيقاً لوفائه لها و عهداً لبقائه معها…..
و منها دموع خداع كدموع (التماسيح) …. ويحكى عنها أن التمساح عندما يتمكن من فريسته و ينهشها يبكي وهو يواصل تمزيقها و أكلها فيظن الناس أنه يبكى متأثراً لموتها و لم تكن دموعه هذه سوى خداع . فأصبحت دموع التماسيح تضرب مثلاً للإنسان المخادع كالذي يقتل القتيل و يمشي في موكب جنازته و ما أكثرهم….
تذكرون توقيع الوثيقة الدستورية المشؤومة بين الجيش و الدعم السريع و الحرية و التغيير إبان ثورة ديسمبر ٢٠١٩م التي كانت تحت رعاية الاتحاد الأفريقي ممثلاً عنه ابن لبَّاد ( سيء الصيت )و إشراف الرئيس الأثيوبي آبي احمد الذي لم (تحمد عقباه)…….
تذكرون كم كانت كلمته ( آبي احمد ) بعد التوقيع (مقتضبة) يتقطع صوته كأن حنجرته كانت (معطبة) … وكم ذرف من الدمع (السخيف) فزاد به جرح السودان ( نزيف ) . وكم تعاطف الشعب السوداني المخدوع مع كلمته و رقَّ لدمعته….
كان يظن أنه بكى عطفاً عليه ، و رأفة به …. و أنه السياسي الحاذق الجسور الذي قرأ ما بين السطور و أدرك ما لم يدركه الحضور….
نعم هو كذلك قرأ ما بين سطور الوثيقة الدستورية أن السودان مقبل على دمار و تمزيق و خراب ، واشتمَّ من سطور الوثيقة رائحة التشرذم ، فعجم كنانته و أحكم مكيدته و رسم خريطته و حضَّر ( بقجته ) ليوم الكريهة….
إنه يوم الكريهة … يوم تكالبت الأمم على السودان ، و استعدى عليه بنوه الجيران ، فبانت دموع التماسيح لتفضح بكاء آبي احمد بأنه لم يبك (وداعاً) إنما كان بكاؤه (خداعاً)
فمكَّن في السودان (المقلب) و راغ عنه كما يروغ الثعلب…. استغل غفلة أهل السودان و باع جيرتهم بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودات لعله يجني منه مكسباً عند (عزيز) الإمارات ، ففسدت فيه السريرة و خان عهود النجاشي الذي قال فيه الصادق الامين أنه مَلكٌ لا يظلم عنده أحد…. فجار على من طلب عنده الاستجارة . فبدلاً من أن يأويه يؤمن روعاته ، أعان عليه أعدائه ، و حشد له جيشه ، و سيَّر على أرضه مسيراته ليقتل أهله مقابل دراهم و آجال معدودة . فأصبح بئس خلف لخير سلف ، رغم أن النجاشي لم يكن من أهل الاسلام وقتها لكنه تخلق بأخلاق الإسلام فأوى المسلمين ، و كان سبباً في نصرة الإسلام ، فكرمه النبي عليه الصلاة والسلام بعد مماته و صلى عليه صلاة الغائب لعل الله يبعثه على ملة الاسلام … و شتان ما بين هذا وذاك . فأين آبي أحمد الذي يحمل بين جنبيه الإسلام فهو مسلم لا أمان و لا سلام له فأصبح غير مأمونٍ لجاره و انتفت منه صفة الإيمان التي ربطها الرسول صلى الله عليه وسلم بأمان الجار ( لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن جاره بوائقه ) …. وهو تنكر للسودان كأنه يودع علاقات الجيرة و الرحم بين البلدين بقول المتنبيء :
نامت نواطير مصر عن ثعالبها * فبشمن و ما تبقى العناقيد…
فتأكد أنه لن تشبع لآبي أحمد بعد اليوم في السودان (ثعالبه) ! ، و مهما خبثت نواياه على السودان لن تحقق مطالبه……
و سيدور عليه الزمان و يقال له كما تدين تدان و ليس ذلك عند الله بعيد….
صبراً فالأيام دول ….
و ليعلم آبي أحمد أن من يأويهم و يدعمهم بجنده و سلاحه و يعبئهم ضد السودان اليوم ليس بينهم عثمان بن عفان ،و لا الزبير بن العوام ، و لا عبد الرحمن بن عوف ، و لا مصعب بن عمير ، و لا عثمان بن مظعون حتى يشفعوا له بعد مماته ليهنأ بصلاة غائب عند أهل الاسلام…..
و من يبكي بدموع التماسيح لن يجد له في البرية صليح…..
الأستاذ/ الغالي الزين حمدون
٢٠٢٦/٥/٨م
