السبت, مايو 2, 2026
الرئيسيةمقالات"خريف الصمت.. وهجير الشائعة"

“خريف الصمت.. وهجير الشائعة”


ما يزال المشهد الإعلامي الوطني يراوح مكانه في منطقة “الاستجابة الباردة”، والتقوقع المريب ، في وقت تخوض فيه البلاد معركة وجودية لا تقتصر على أزيز الرصاص وصوت المدافع ، لكنها تمتد لتشمل حرباً إلكترونية ونفسية شعواء. فبينما تنشط غرف المليشيا المظلمة، التي تصل ليلها بنهارها في حياكة الزور وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، يبدو إعلامنا الرسمي والوطني غارقاً في صمتٍ مطبق ، وكأنه يمنح القتلة “تأشيرة دخول” مجانية لعقول البسطاء وقلوب الحيارى.
إن القاعدة الذهبية في عالم الاتصال تقول: الجمهور لا يطيق الفراغ”وكلما انسحب الإعلام الوطني من ساحة المواجهة، تفسحت المليشيا بآلتها الدعائية في الفضاء العام. لقد أتقن هؤلاء فن “الإرجاف” وبث الشائعات التي تسري في جسد المجتمع السوداني سريان النار في الهشيم، مستغلين حالة الترقب والقلق الشعبي لتحقيق انتصارات وهمية تعوض انكساراتهم الميدانية.
ولعل ما أثير مؤخراً من لغطٍ وتزييف حول “خلافات متوهمة” بين القوات المشتركة وقوات “النور القبة” تعقبها مقتلة عظيمة ، ليس إلا حلقة في سلسلة الخبث الممنهج والدعاية الرمادية ، وقد اختاروا الخرطوم مسرحاً لهذه الفرية، لا لشيء إلا لأن العاصمة بدأت تسترد أنفاسها، وتفتح أحضانها لأهلها العائدين من الشتات والنزوح في مشروع “عودة طوعية” الذي صار واقعاً معاشاً يغيظ الأعداء ويحبط تخطيطهم .
إن عودة الحياة إلى أحياء الخرطوم، وتدفق الدماء في شرايين أسواقها ومساجدها، هو “الكابوس” الذي يؤرق مضاجع المليشيا وداعميها ، فهذا الاستقرار ينسف أحلامهم في “دولة الفوضى”، ويؤكد عزم القوات المسلحة على تطهير تراب الوطن من أرجاسهم وأدناسهم. لذا، كان لا بد لهم من اختراع “فتنة” تضرب تماسك الصف الوطني، لإيقاف قطار العودة وبث الرعب في نفوس القادمين.
إننا اليوم أمام استحقاق وطني لا يقبل التأجيل وتحدي متجدد فالواجب يملي ضرورة تأسيس غرفة عمليات إعلامية مشتركة لا تكتفي بوضعية الدفاع، إنما تبادر بالهجوم. وتصنع الفارغ ، غرفة ترصد الأحداث لحظة بلحظة، وتفند الشائعة قبل أن تستفحل، وتلجم كل بوقٍ ناعق وعميل يسعى لبيع وطنه بحفنة من دراهم المليشيا. إن الرد المسكت والبيان الواضح هو “الطلقة” التي تخرس ألسنة الإفك .
ورغم هذا القصور المشهود في الأداء الإعلامي الرسمي، يظل وعي الشعب السوداني هو الصخرة التي تكسرت عليها نبال المليشيا. لقد أثبت المواطن العادي بصبره وفطنته أنه العتبة الحصينة التي دُفنت تحتها أمنيات المرتزقة وداعميهم. ولكن، لا ينبغي أن يترك وعي الشعب وحيداً بلا ظهير إعلامي قوي يثبته ويقوده.
إن معركة الكلمة لا تقل شأناً عن معركة الخندق، والصمت في زمن الحرب “خيانة مغلفة بالحياد”. فإما إعلامٌ يزلزل عروش الباطل، أو تنحيٌّ يفسح المجال لفرسان الكلمة الصادقة ليذودوا عن حياض الوطن.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات