الأربعاء, أبريل 29, 2026
الرئيسيةمقالاتقطاع السكر في السودان: من شبه الاكتفاء إلى أزمة مفتوحة ...

قطاع السكر في السودان: من شبه الاكتفاء إلى أزمة مفتوحة تحليل: أبوعبيده أحمد سعيد محمد

قطاع السكر في السودان: من شبه الاكتفاء إلى أزمة مفتوحة


تحليل أبوعبيده أحمد سعيد محمد saeed.abuobida5@gmail.com
السكر في السودان ليس مجرد سلعة غذائية، بل ظل لعقود عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية ومصدرًا مباشرًا للطاقة لقطاعات واسعة من السكان، خاصة في ظل ارتفاع أسعار البدائل الغذائية وتراجع استهلاك الفواكه. وعلى المستوى الاقتصادي، شكّل القطاع منظومة متكاملة تربط الزراعة بالصناعة والتشغيل. لكن منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، بدأت هذه المنظومة في التفكك، ليتحول القطاع من حالة شبه استقرار إلى أزمة ممتدة.
قبل الحرب، كان السودان ينتج في المتوسط نحو 1 مليون طن سنويًا عبر مواسم إنتاج منتظمة، بينما يتراوح الاستهلاك بين 1.2 و1.6 مليون طن. ورغم وجود فجوة تُغطى بالاستيراد، إلا أن انتظام المواسم الإنتاجية في 6 مصانع رئيسية كان يضمن استقرار الإمداد في السوق المحلي إلى حد كبير، بل والتصدير الي الخارج.
هذه المصانع تمثل استثمارات ضخمة تراكمت عبر عقود، لكنها في الواقع لم تكن تعمل بكامل طاقتها حتى قبل الحرب. فمصنع سكر كنانة، على سبيل المثال، تبلغ طاقته التصميمية نحو 400 ألف طن سنويًا، لكنه كان ينتج فعليًا في أفضل مواسمه ما بين 200 إلى 250 ألف طن فقط. ومع اندلاع الحرب، تراجع إنتاجه خلال موسم 2023–2024 إلى نحو 125 ألف طن، نتيجة ضعف التحضير الزراعي، وانخفاض المساحات المزروعة، وتعطل الإمدادات.
أما مصنع سكر النيل الأبيض، الذي صُمم بطاقة مماثلة تبلغ 400 ألف طن، فقد ظل إنتاجه يدور حول 100 إلى 125 ألف طن حتى قبل الحرب، دون أن يصل إلى طاقته القصوى. ومع بداية الحرب، لم يتوقف المصنع بالكامل، لكنه دخل في حالة من عدم الاستقرار، حيث تأثرت مواسمه بتحديات التمويل وسلاسل الإمداد، ما انعكس على كفاءته الإنتاجية.
في المقابل، خرجت بعض المصانع من الدورة الإنتاجية بالكامل. فمصنع سكر سنار، الذي تبلغ طاقته التصميمية 110 آلاف طن، لم يتمكن من تنفيذ موسم إنتاجي بعد اندلاع الحرب، نتيجة تعرضه للتخريب والنهب. ومصنع سكر الجنيد، الذي يُعد من أقدم المصانع بطاقة تصميمية تبلغ 66 ألف طن، كان يعاني أصلًا من ضعف الإنتاج قبل الحرب، إذ لم يتجاوز إنتاجه 20 ألف طن، قبل أن يتعرض لنهب كامل في ديسمبر 2023 مع احتلال مدينة ود مدني ويتوقف تمامًا.
أما مصانع عسلاية وحلفا الجديدة، فقد استمرت في العمل، لكنها كانت تعمل بأقل من نصف طاقتها. فعسلاية، التي تبلغ طاقته110 آلاف طن، لم يتجاوز إنتاجه في المواسم الأخيرة 30 إلى 40 ألف طن، بينما ظل إنتاج حلفا الجديدة في حدود 20 ألف طن مقارنة بطاقة تصميمية تبلغ 60 ألف طن. ومع استمرار التحديات، اتسمت المواسم اللاحقة بضعف واضح في الإنتاجية نتيجة تراجع الزراعة ونقص المدخلات.
عند النظر إلى الصورة من زاوية المواسم، يتضح أن القطاع لم يفقد فقط جزءًا من إنتاجه، بل فقد انتظام دورته الإنتاجية نفسها. فموسم 2022–2023 كان آخر موسم شبه طبيعي، بينما جاء موسم 2023–2024 مضطربًا، حيث توقفت بعض المصانع، وتراجعت إنتاجية أخرى بشكل كبير. ومع استمرار الظروف نفسها، أصبحت المواسم التالية تعاني من ضعف الإنتاجية وعدم الاستقرار.
نتيجة لذلك، تراجع الإنتاج الكلي إلى أقل من 500 ألف طن سنويًا، في وقت لا يزال فيه الاستهلاك يتجاوز 1.2 مليون طن. هذا يعني أن الفجوة الإنتاجية اتسعت إلى أكثر من 700 ألف طن، وهي فجوة تتطلب استيراد كميات كبيرة قد تتجاوز تكلفتها 600 مليون دولار سنويًا في المتوسط ، وهو عبء يصعب تحمله في ظل محدودية النقد الأجنبي.
لكن هذه الأزمة لا يمكن تفسيرها بالحرب وحدها. فالحرب كشفت عن اختلالات هيكلية كانت قائمة منذ سنوات. من أبرزها ضعف أنظمة الري، وتراجع كفاءة إدارة المياه، مما أثر على زراعة قصب السكر، وهي الأساس الذي تقوم عليه الصناعة. كما أن تقادم المعدات في معظم المصانع، وارتفاع تكلفة صيانتها، إلى جانب صعوبة الحصول على قطع الغيار، أدى إلى انخفاض الكفاءة الإنتاجية.
وتُعد أزمة الطاقة من العوامل المؤثرة كذلك، سواء من حيث نقص الوقود أو عدم استقرار الكهرباء، وهو ما يؤدي إلى توقف الإنتاج أو ارتفاع تكلفته. كما أن توفر عناصر الإنتاج، مثل الأسمدة والمبيدات والتمويل الزراعي، أصبح أكثر صعوبة، ما انعكس مباشرة على قدرة المصانع على تشغيل مواسمها بكفاءة.
وفي الجانب الإداري، تبرز الحاجة إلى تعزيز الحوكمة المؤسسية وتطبيق معايير الإدارة الرشيدة، بما يضمن كفاءة اتخاذ القرار واستمرارية التشغيل، خاصة في إدارة المواسم الزراعية والصناعية. كما أن تراجع الكفاءات الفنية والإدارية خلال السنوات الماضية أثّر على جودة التخطيط والتنفيذ.
أما على مستوى السوق، فتواجه الصناعة اختلالات واضحة، مثل التهريب وتجارة “الكسر”، وهي عوامل أسهمت في عدم استقرار الأسعار، وأضعفت الحافز للإنتاج المحلي، وخلقت بيئة تسويقية غير متوازنة.
ومع اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، أصبح الاستيراد خيارًا لا مفر منه، لكنه يواجه تحديين رئيسيين: ارتفاع التكلفة العالمية، وصعوبة توفير العملة الأجنبية. وهذا يضع الاقتصاد أمام ضغط مزدوج، يتمثل في الحاجة لتأمين سلعة أساسية، مع الحفاظ على استقرار الموارد المالية.
البعد الاجتماعي للأزمة لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي. فالسكر يُعد مصدرًا أساسيًا للطاقة لدى كثير من الأسر السودانية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب ضعف استهلاك الفواكه. لذلك، فإن أي اضطراب في توفره ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين.
في ظل هذه المعطيات، تبرز أهمية اضطلاع الجهات الحكومية بدورها في إعادة بناء هذا القطاع، لا سيما وزارة الصناعة ووزارة المالية ومجلس الوزراء، خاصة فيما يتعلق بالمصانع المملوكة للدولة عبر شركة السكر السودانية. ويتطلب ذلك تمويل المواسم الزراعية، وإعادة تأهيل المصانع، وتحسين الإدارة، وضمان توفر المدخلات الأساسية، بما يعيد تشغيل الدورة الإنتاجية بشكل مستقر.
في المحصلة، لا تكمن الأزمة في انخفاض الإنتاج فحسب، بل في تعطل الدورة الموسمية التي يقوم عليها القطاع. فصناعة السكر تعتمد على موسم سنوي، وإذا فشل هذا الموسم، تضيع سنة كاملة من الإنتاج. ومع تكرار ضعف المواسم، تتراكم الخسائر ويصبح التعافي أكثر تعقيدًا.
وبين واقع التراجع وإمكانية التعافي، يقف السودان أمام خيار واضح: إما إعادة بناء هذا القطاع الحيوي على أسس أكثر كفاءة واستدامة، أو القبول بالتحول إلى الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، بكل ما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية واجتماعية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات