د. ميمونة سعيد أدم أبورقاب
باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية
لم تعد معارك الدول في القرن الحادي والعشرين تقتصر على حماية الحدود أو تعزيز القدرات العسكرية، بل أصبحت المعركة الحقيقية التي تحدد مصير الأمم ومستقبلها هي معركة الأمن الاقتصادي. فالدول التي تنجح في بناء اقتصاد قوي ومستقر تستطيع حماية سيادتها وتحقيق رفاهية شعوبها وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، بينما تواجه الدول ذات الاقتصادات الهشة تحديات متزايدة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي والأمني.
ويُقصد بالأمن الاقتصادي قدرة الدولة على توفير احتياجات مواطنيها الأساسية بصورة مستدامة، وضمان استقرار الأسواق، وحماية الموارد الوطنية، وتعزيز الإنتاج والاستثمار، بما يحقق النمو الاقتصادي ويحصن المجتمع ضد الأزمات الداخلية والخارجية. لذلك أصبح الأمن الاقتصادي أحد أهم مكونات الأمن القومي، بل إن كثيرًا من الخبراء الاستراتيجيين يرون أن الاقتصاد القوي يمثل خط الدفاع الأول عن الدولة.
وتبرز أهمية الأمن الاقتصادي في كونه يؤثر بصورة مباشرة على حياة المواطنين. فكلما استقرت الأسعار، وتوفرت فرص العمل، وتحسنت الخدمات، ارتفعت مستويات الرضا والاستقرار الاجتماعي. أما عندما تتراجع المؤشرات الاقتصادية، فإن آثار ذلك تمتد إلى مختلف جوانب الحياة، من تزايد معدلات الفقر والبطالة إلى تراجع الإنتاج وضعف القدرة الشرائية للمواطنين.
ورغم التحديات التي تواجه العديد من الدول النامية، فإن الفرص المتاحة لتحقيق الأمن الاقتصادي ما تزال كبيرة، خاصة في الدول التي تمتلك موارد طبيعية وبشرية ضخمة. والسودان يعد نموذجًا واضحًا لذلك، فهو يمتلك أراضي زراعية واسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية متنوعة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يربط بين عدة أقاليم اقتصادية مهمة. وهذه الموارد تمثل قاعدة قوية يمكن الانطلاق منها نحو بناء اقتصاد أكثر استقرارًا وقدرة على المنافسة.
ومن أبرز الفرص المتاحة لتحقيق الأمن الاقتصادي التوسع في الإنتاج الزراعي، خاصة أن الأمن الغذائي أصبح من أهم القضايا العالمية. فالدول التي تستطيع إنتاج غذائها وتحقيق فائض للتصدير تمتلك ميزة استراتيجية كبيرة. كما تمثل الثروة الحيوانية فرصة مهمة لزيادة الصادرات وتحقيق عائدات من النقد الأجنبي، إلى جانب الاستفادة من الموارد المعدنية التي يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد إذا أُحسن استغلالها وإدارتها.
كذلك تتيح الثورة الرقمية والتطور التكنولوجي فرصًا جديدة للنمو الاقتصادي، من خلال تطوير الخدمات الإلكترونية، وتحسين بيئة الأعمال، وتسهيل عمليات الاستثمار والتجارة، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية والخاصة.
لكن في المقابل، تواجه عملية تحقيق الأمن الاقتصادي عددًا من التحديات التي لا يمكن تجاهلها. ومن أبرز هذه التحديات ضعف البنية التحتية في بعض القطاعات، وتراجع الإنتاج في أوقات الأزمات، وارتفاع معدلات التضخم، وتقلب أسعار العملات، إضافة إلى محدودية التمويل وضعف الاستثمارات في بعض المجالات الحيوية. كما أن النزاعات والصراعات تؤثر بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي، وتؤدي إلى تعطيل الإنتاج وإضعاف حركة التجارة والاستثمار.
ويضاف إلى ذلك تحدي الاعتماد على تصدير المواد الخام دون التوسع في الصناعات التحويلية، وهو ما يقلل من القيمة المضافة للموارد الوطنية ويحرم الاقتصاد من فرص كبيرة للنمو والتشغيل. لذلك فإن بناء اقتصاد قوي يتطلب الانتقال من مرحلة تصدير الموارد الخام إلى مرحلة التصنيع والإنتاج المتقدم.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن تحقيق الأمن الاقتصادي؟
الإجابة تبدأ من تبني رؤية وطنية شاملة تقوم على زيادة الإنتاج باعتباره المصدر الحقيقي للثروة. فلا يمكن تحقيق أمن اقتصادي مستدام دون دعم القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والتعدين والخدمات. كما يتطلب الأمر تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي من خلال توفير بيئة مستقرة وشفافة، وتبسيط الإجراءات، وتطوير القوانين الاقتصادية.
كذلك يجب إعطاء أولوية لتطوير البنية التحتية من طرق وموانئ ومطارات وشبكات كهرباء واتصالات، لأن هذه المشروعات تمثل العمود الفقري لأي نشاط اقتصادي ناجح. كما أن الاستثمار في التعليم والتدريب وبناء القدرات البشرية يظل من أهم عوامل النجاح، لأن الإنسان المؤهل هو القادر على إدارة الموارد وتحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
ومن الضروري أيضًا تعزيز ثقافة الإنتاج والعمل، والحد من الأنشطة الاقتصادية غير المنتجة، وتشجيع الصناعات الوطنية، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة. كما أن مكافحة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة تمثل شرطًا أساسيًا لنجاح أي استراتيجية اقتصادية.
إن الأمن الاقتصادي ليس مشروع حكومة فقط، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاون الدولة والقطاع الخاص والمجتمع. فكلما اتجهت الجهود نحو الإنتاج والاستثمار والتنمية، ازدادت قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار والنمو.
وفي نهاية المطاف، فإن الدول لا تُهزم فقط في ميادين القتال، بل قد تُهزم أيضًا عندما تفقد قدرتها على حماية اقتصادها وتحقيق رفاهية شعوبها. لذلك يبقى الأمن الاقتصادي المعركة الحقيقية التي تحدد مستقبل الأوطان، وهو الطريق الأقصر نحو الاستقرار والسيادة والتنمية المستدامة. ومن ينجح في كسب هذه المعركة يضمن لوطنه مكانة قوية وحاضرًا أكثر استقرارًا ومستقبلًا أكثر إشراقًا.
