بقلم: أبوعبيده أحمد سعيد محمد saeed.abuobida5@gmail.com
الخرطوم اليوم تقف على مفترق طرق ونقطة تحول تاريخي حقيقي. فمع وجود ملايين النازحين واللاجئين في دول الجوار والأقاليم، وعودة طوعية بدأت تتزايد تدريجيًا، إلا ان الصورة ما زالت غير مكتملة. كثير من الأسر لا تعود بشكل كامل، بل يعود فرد واحد فقط للاستطلاع، في إشارة واضحة إلى أن قرار العودة ما زال مرتبطًا بالثقة والأمان والخدمات.
هذه الثقة لا ترتبط فقط بعودة الكهرباء والمياه والمستشفيات وفرص العمل، بل أيضًا بالمعلومة، وبشكل أساسي بتوفر الأمن. فبدون أمن مستقر لا يمكن لأي خدمات أو معلومات أن تتحول إلى قرار عودة فعلي. المواطن اليوم لا يعتمد على ما يراه فقط، بل على ما يصله من أخبار عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الإحساس الواقعي بالأمان في الحي والشارع.
وفي هذا السياق، فإن تأخر الحكومة في القيام بدورها في إعادة الخدمات، وتثبيت الأمن، وتسريع الإعمار، بدأ يخلق آثارًا اجتماعية واقتصادية واضحة، من أبرزها أن بعض الأسر أصبحت تفكر في بيع منازلها داخل الخرطوم، نتيجة حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاستقرار وعودة الحياة الطبيعية.
الإعلام شريك في إعادة الإعمار
في فترات ما بعد الأزمات والحروب، تنتشر الشائعات بسرعة أكبر من الحقائق، وقد تؤثر بشكل مباشر على قرارات الناس بالعودة.
لذلك يصبح دور الإعلام الرسمي مهمًا للغاية عبر:
• توضيح الحقائق بشكل يومي
• عرض الواقع كما هو دون تهويل أو تضليل
• نفي الشائعات بسرعة
• إبراز قصص العائدين وبداياتهم الجديدة
• إرسال رسائل طمأنينة واقعية للمواطنين، خاصة فيما يتعلق بالأمن والاستقرار
فالمواطن يحتاج أن يرى ويسمع بوضوح أن:
الكهرباء بدأت تعود، المياه تتوفر في بعض المناطق، المستشفيات تعمل تدريجيًا، الأسواق بدأت تتحرك، والأهم من ذلك أن الأمن يتحسن تدريجيًا في الأحياء والطرق العامة.
التكامل بين الخدمات والإعلام والأمن والصحة
نجاح إعمار الخرطوم لا يقوم على جانب واحد فقط، بل على أربعة محاور مترابطة:
- توفير الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة
- ضمان الأمن والاستقرار في المناطق السكنية والأسواق والطرق
- محاربة الأمراض والحد من انتشارها، خاصة مع تزايد التحديات الصحية مثل الملاريا وحمى الضنك والتيفوئيد، إضافة إلى مكافحة تكاثر البعوض وتحسين النظافة العامة
- نقل الحقيقة إعلاميًا بوضوح وشفافية
فغياب الصحة العامة وانتشار الأمراض يمكن أن يعطل أي جهود إعمار، تمامًا كما أن غياب الأمن أو الخدمات يجعل العودة غير ممكنة.
الحكومة والاقتصاد: المحرك الأول
في علم الاقتصاد، تُعتبر الحكومة أكبر محرك للنشاط الاقتصادي، لأنها أكبر منفق ومشتري في فترات إعادة الإعمار.
لذلك فإن أي صرف حكومي على مشاريع إعادة البناء لا يعني مجرد إنشاءات، بل يعني:
• تشغيل العمال
• تحريك السوق
• خلق فرص عمل للشباب
• تنشيط القطاع الخاص تدريجيًا
وبذلك تصبح إعادة الإعمار وسيلة لإحياء الاقتصاد، وليس فقط إصلاح البنية التحتية.
المواطن شريك في الإعمار
إعمار الخرطوم ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل المواطن أيضًا جزء أساسي من العملية، من خلال:
• العودة التدريجية للمنازل
• إعادة تأهيل الأحياء
• بدء مشاريع صغيرة
• التعاون المجتمعي داخل الحي الواحد
• الاهتمام بالنظافة العامة والوقاية من الأمراض والبعوض
وفي هذا السياق، يبرز معنى أعمق لإعادة الإعمار، حيث لا تكون العملية مجرد بناء مادي، بل مشروع حياة متكامل يقوم على الوعي والمشاركة والالتزام الجماعي.
فلنجعل من الخرطوم صدق العبارة:
“محل الطيارة بتقوم… والحكومة بتنوم”
لكن هذه العبارة لن تتحقق إلا إذا استيقظت الحكومة على المستويين الاتحادي والولائي من حالة البطء، وتحركت بجدية في مسارات الإعمار المتكاملة: الأمن، الخدمات، الصحة العامة، والتنمية.
فالناس بدأت ترجع، لكن عودتهم ما زالت حذرة، وتنتظر ما إذا كانت الحياة قد عادت فعلًا. وهنا يظهر الدور الحقيقي للدولة في تحويل العودة إلى استقرار، وتحويل الاستقرار إلى تنمية، وتحويل التنمية إلى حياة طبيعية مستدامة.
