لم أعتد أن أكتب همساً، لكن حين تضيق السبل يصبح الهمس أبلغ من الصراخ. سيدي الوالي، إن ما نشهده في أسواق القضارف وطرقاتها لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل مشهد يومي مؤلم يطرق الضمير قبل أن يطرق أبواب القانون. أطفال صغار، بملامح غير سودانية، يفترشون الأرض، أو يجوبون بين المارة بأيدٍ ممدودة وعيون أنهكها التعب قبل الأوان.
هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد متسولين، بل قصص مأساة تمشي على قدمين. بعضهم يُساق إلى التسول سوقاً، في صورة أقرب إلى الاستغلال المنظم، حيث تتحول الطفولة إلى وسيلة للكسب غير المشروع، وتُختطف البراءة لتُعرض في مزاد الشفقة. هذا النوع، كما تعلمون، يندرج تحت جرائم الاتجار بالبشر، وهي جريمة مكتملة الأركان، لها شبكاتها وأساليبها، وتحتاج إلى حزم في المواجهة وتنسيق بين الأجهزة العدلية والأمنية.
أما النوع الآخر، فهو الطفل الذي خرج بنفسه إلى الشارع، مدفوعاً بالجوع أو الفقر أو النزوح أو الفقد. هذا طفل لا يُدان، بل يُحتضن. هو ضحية ظرف قاسٍ، يحتاج إلى رعاية الدولة قبل أن يحتاج إلى عقابها. وهنا تتجلى المأساة الاجتماعية في أبشع صورها، حيث يغيب السند، وتنكسر الأسرة، ويصبح الشارع هو المأوى والمعلم.
سوق القضارف، الذي كان رمزاً للحياة والحركة والتبادل، بات يحتضن هذه الظاهرة في وضح النهار. ترى الأطفال عند مداخل السوق، بين الباعة، قرب المساجد، وحتى عند إشارات المرور. حضورهم الكثيف، وتزايد أعدادهم، وتنوع جنسياتهم، كلها مؤشرات لا يمكن تجاهلها. إنها ليست حالة فردية، بل ظاهرة مركبة، تتداخل فيها عوامل الهجرة غير المنظمة، والفقر، والنزاعات، وضعف الرقابة.
سيدي الوالي، إن خطورة هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الحاضر، بل تمتد إلى المستقبل. الطفل الذي يُربى على التسول اليوم، قد يتحول غداً إلى عنصر في شبكة إجرامية، أو ضحية لانحرافات أخطر. نحن لا نواجه فقط جريمة حالية، بل نزرع بذور جريمة مستقبلية إن لم نتدارك الأمر.
المطلوب ليس مجرد حملات إزالة أو مطاردات موسمية، بل رؤية متكاملة. تبدأ بحصر هؤلاء الأطفال، ومعرفة خلفياتهم، وتفكيك الشبكات التي تستغلهم، وتفعيل القوانين الرادعة في مواجهة المتاجرين بالبشر. وفي ذات الوقت، إنشاء مراكز إيواء وتأهيل، تقدم لهؤلاء الأطفال الغذاء والتعليم والرعاية النفسية، وتعيد دمجهم في المجتمع.
كما أن التنسيق مع المنظمات الدولية، خاصة في ظل وجود أطفال غير سودانيين، يصبح ضرورة، لضمان إعادتهم إلى بيئة آمنة، أو توفير الحماية القانونية لهم داخل البلاد.
سيدي الوالي، إن هؤلاء الأطفال أمانة في أعناقنا جميعاً. وإن صمتنا اليوم، قد يُفسر غداً تقصيراً لا يُغتفر. فلتكن هذه الهمسة بداية لتحرك جاد، يعيد للطفولة حقها، وللمجتمع أمنه، وللقانون هيبته.
والله المستعان
عبدالشكور حسن أحمد
المحامى
