بعد مؤتمر برلين حول السودان 2026، لم يعد مقبولًا أن يظل السودان مجرد ملف على طاولات الآخرين، أو ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية. اللحظة الراهنة، رغم قسوتها، تحمل فرصة نادرة: أن ينتقل السودان من موقع “الموضوع” إلى موقع “الفاعل”، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات.
لكن ذلك لن يحدث بالشعارات، يحدث برؤية استراتيجية ناهضة تعيد تعريف علاقاته الإقليمية والدولية على أسس جديدة.
أولًا: استعادة مركز القرار الوطني
لا سياسة خارجية فعالة دون مركز داخلي متماسك.
أولوية السودان ليست في مخاطبة الخارج، لكن في بناء حد أدنى من التوافق الداخلي يمنحه شرعية التحدث باسم نفسه. فالعالم لا يتعامل مع الفراغ، لكنه يملؤه.
ثانيًا: من “رفض الآخرين” إلى “طرح الذات”
الرفض وحده لا يصنع سياسة.
على السودان أن يقدم مبادرة وطنية واضحة للحل—سياسيًا وإنسانيًا—ويطرحها عبر قنوات متعددة، بحيث يتحول من متلقٍ للمبادرات إلى صانع لها.
من يضع الرؤية، يفرض شروط النقاش.
ثالثًا: إعادة هندسة العلاقات مع المنظمات الدولية
التعامل مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي يجب أن ينتقل من الشك المتبادل إلى شراكة مشروطة بالسيادة.
السودان يحتاج إلى الدعم، نعم، لكنه لا يحتاج إلى وصاية.
المعادلة الممكنة: تعاون في الإغاثة وبناء السلام… مقابل احترام القرار الوطني.
رابعًا: تفعيل العمق الإقليمي كخط دفاع أول
الجغرافيا ليست عبئًا، هي فرصة يمكن استغلالهااستغلال امثل .
السودان قادر على بناء شبكة علاقات إقليمية متماسكة، تُقلل من الضغوط الدولية، وتفتح مسارات للحلول الواقعية.
الدول المجاورة، بحكم التداخل الأمني والاقتصادي، أكثر استعدادًا لفهم تعقيدات المشهد من القوى البعيدة.
خامسًا: سياسة “التوازن الذكي” بدل المحاور
أخطر ما يمكن أن يقع فيه السودان هو الارتهان لمحور واحد.
العالم اليوم لا يحترم الدول التابعة، بل الدول التي تُحسن اللعب على التوازنات.
الانفتاح على الشرق والغرب، دون انحياز كامل، يمنح السودان مساحة مناورة أوسع، ويحول موقعه من ساحة تنافس إلى نقطة توازن.
سادسًا: ربط الدبلوماسية بالاقتصاد
السياسة الخارجية ليست بيانات… هي مصالح تبادلية.
على السودان أن يعيد تقديم نفسه كشريك اقتصادي واعد، لا كدولة أزمة كبري.
الزراعة، الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي يمكن أن تتحول إلى أدوات قوة ناعمة تعيد جذب الاهتمام الدولي بشروط أفضل.
سابعًا: إدارة المساعدات دون فقدان القرار
المساعدات ضرورة… لكن الخطر في شروطها.
السودان بحاجة إلى سياسة واضحة تفصل بين:
الدعم الإنساني العاجل
والتدخل السياسي المغلف بالمساعدات
القبول بالأول… والتفاوض الصارم حول الثاني.
ثامنًا: بناء خطاب دبلوماسي جديد
لم يعد كافيًا الحديث بلغة الرفض أو الشكوى.
السودان بحاجة إلى خطاب واقعي، قوي، ومتوازن—يُدرك تعقيدات العالم، ويخاطبه بلغة المصالح لا العواطف.
اخيرا : لحظة إعادة التعريف
السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي:
إما أن يظل موضوعًا تُكتب قراراته في الخارج،
أو يتحول إلى دولة تعيد تعريف موقعها بوعي وإرادة.
الاستراتيجية المطلوبة ليست صدامًا مع العالم… ولا استسلامًا له،
بل إعادة تموضع ذكية تقوم على:
سيادة حقيقية، شراكات متوازنة، ومصالح واضحة.
بعد برلين، لم يعد السؤال: ماذا يريد العالم من السودان؟
بل: ماذا يريد السودان من العالم… وكيف يفرض ذلك؟.
تنظير
آمنة السيدح
مضيق هرمز!!
منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا، ورغم كل أحداثها، إلا أن الحدث الأكبر فيها هو مضيق هرمز وإغلاقه وفتحه، فهو أكبر ورقة ضغط تم استخدامها الآن في المفاوضات لوقف إطلاق النار بين أطراف الحرب. ولا أظن أن نقول — ليس من قبيل المبالغة — إن مضيق هرمز هو “صمام الطاقة” في العالم. فهذا الشريط المائي الضيق تمر عبره شحنات النفط التي تُبقي مصانع العالم دائرة، وتُحدد مزاج الأسواق، بل وأحياناً مصائر الحكومات. وأي ارتباك في هذا الممر لا يُقاس بحجمه الجغرافي، بل بارتداداته التي تصل إلى أقصى العواصم.
بالنسبة للولايات المتحدة، لا يتعلق الأمر فقط بنفط يمر، بل بنظام عالمي يجب أن يظل مستقراً. وواشنطن تدرك أن أمن هذا المضيق يعني استقرار الاقتصاد الدولي، حتى وإن تراجعت حاجتها المباشرة لنفط الخليج. أما إسرائيل، فتنظر إلى المشهد من زاوية أكثر حساسية، حيث يرتبط أمن الطاقة الإقليمي مباشرة بصراعها المفتوح مع إيران، الخصم الذي يجيد استخدام الجغرافيا كأداة نفوذ.
لكن السؤال الأهم: هل حسبت أمريكا وإسرائيل جيداً كلفة أن تُلوّح إيران بورقة المضيق؟
في الواقع، هذه ليست مفاجأة في دفاتر الاستراتيجية. فطهران لم تُخفِ يوماً قدرتها على تعطيل الملاحة، لكنها أيضاً لم تُقدم على الخطوة القصوى. والسبب بسيط، يا سادتي، وهو أن إغلاق المضيق ليس رسالة ضغط فقط، بل إعلان مواجهة مع العالم بأسره. ومع ذلك، فإن مجرد التهديد يكفي لرفع منسوب التوتر، وإبقاء الجميع في حالة ترقب دائم.
نحن إذاً، سادتي، أمام لعبة حافة الهاوية: إيران تملك القدرة على الإرباك دون الانتحار، والولايات المتحدة تملك أدوات الرد دون الرغبة في الانفجار الكبير. وبين هذا وذاك، تبقى الأسواق رهينة، والشعوب تدفع فاتورة القلق.
أما المخرج من هذا المأزق، فلا يأتي عبر حاملات الطائرات، بل عبر طاولات التفاوض. فخفض التصعيد، وفتح قنوات الاتصال، وإعادة إحياء الدبلوماسية، ليست شعارات مثالية، بل ضرورة عملية. كذلك، فإن سعي العالم إلى تنويع مصادر الطاقة لم يعد ترفاً، بل استراتيجية لتقليل الابتزاز الجغرافي.
في النهاية، يظل مضيق هرمز مرآة لصراع أكبر: صراع بين منطق القوة ومنطق المصالح المشتركة. والسؤال الذي سيبقى معلقاً: هل يتعلم العالم كيف يدير هذه العقدة بحكمة، أم يتركها تنفجر في لحظة لا تُحمد عقباها؟.
