أخيراً، تهاوت الأقنعة في العاصمة الألمانية، ولم يتبقَّ من بريق “المؤتمر” إلا صدى انكسار الأصنام التي نُصبت طويلاً فوق رؤوسنا. في برلين، لم يسقط مجرد مشروع سياسي أو مسودة اتفاق، بل “سقط هبل”؛ ذلك الصنم الذي صوره لنا “سدنة الدبلوماسية الدولية” على أنه المخلص الوحيد، والقدر الذي لا رادّ له.
لقد ذهبوا إلى برلين يحملون بخور التبعية، ويجرون وراءهم أذيال الخيبة، ظناً منهم أن القاعات المغلقة قادرة على إعادة إنتاج “الوصاية” في ثوب جديد. لكن الواقع كان أسرع من خيالهم؛ فتحطمت الأوهام على صخرة السيادة، واستحال الصنم حطاماً تحت أقدام الحقيقة المرة: أن مصائر الشعوب لا تُكتب بمداد الغرباء، ولا تُبنى في عواصم الصقيع.
ومع سقوط “هبل”، انفض سامر الكهنة. أولئك الذين اقتاتوا لسنوات على تدويل أوجاعنا، وباعوا لنا الوهم في زجاجات فاخرة. الكهنة الذين ظنوا أن بمقدورهم حجب شمس الإرادة الوطنية بـ “روشتات” معلبة تأتي من خلف البحار، وجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة العراء السياسي؛ بلا صنم يحتمون بظله، وبلا مريدين يصدقون ترانيمهم القديمة.
إن انفضاض هذا السامر ليس مجرد حدث عابر، بل هو إعلان عن نهاية حقبة “الكهانة السياسية” التي كانت ترى في الخارج قبلةً وفي الداخل ساحةً للتجارب. برلين كشفت أن “الكهنة” لم يكونوا يملكون حلولاً، بل كانوا يملكون “أجندات”، وحين سقط الصنم الأكبر، تفرقوا أيدي سبأ، يبحثون عن معبد جديد يمارسون فيه طقوسهم البائدة.
الرسالة اليوم واضحة وصريحة: الدروس لا تُستقى من موائد برلين، بل من نبض الشارع. وإذا كان “هبل” قد سقط في برلين، فإن الواجب يحتم علينا ألا نسمح بصناعة أصنام جديدة تحت أي مسمى. لقد ولى زمن الغرف المظلمة، وانتهت صلاحية “الوسطاء” الذين يرقصون على جراح الأوطان.
سقط الصنم، وانفض الكهنة.. وبقيت الأرض
