الجمعة, أبريل 10, 2026
الرئيسيةمقالاتبين شرارة البداية وخيانة الطريق: تأمّلات في انحراف الثورة ...

بين شرارة البداية وخيانة الطريق: تأمّلات في انحراف الثورة د. الهادي عبدالله أبوضفائر

د. الهادي عبدالله أبوضفائر

لا تولد الثورة اختياراً، بل تُستدعى اضطراراً حين يفيض الواقع بما لا يُحتمل، ويضيق أفق الإصلاح حتى ينعدم ويبلغ السيل منتهاه. عندها تغدو الكيّ كآخر الدواء، مؤلمة لا لأنها الأمثل، بل لأنها الباقي بعد انكسار كل البدائل. فلا تمضي الشعوب نحو التغيير طوعاً، بل تُدفَع إليه دفعاً، كمن يهرب من الاختناق إلى هواءٍ لم يتعرّف بعد على ملامحه، وحين تعجز اليد عن الحل، تتكفّل به الأسنان.

تكمن المفارقة الكبرى في أن الثورة، رغم قدرتها الهائلة على الانفجار، افتقدت وعي البناء. فهي كسيل جارف يحمل في جوفه إمكان الحياة وخطر الغرق معاً. ولأنها لم تُحَط برؤية تضبط اندفاعها وحكمة ترسم مجراها، تحوّلت من نعمة مرتقبة إلى نقمة متكررة. ولم تكن العثرة في الثورة ذاتها، بل في انصرافها إلى صخب التكتيك على حساب صمت الاستراتيجية، إذ غرق المشهد بزخم اللحظة وتسويق الذات، فغاب التخطيط البعيد وتعذّر تحويل الغضب إلى مشروع دولة متكامل.

ظلّ التفكير أسير الأفق القريب، تُسيّره حسابات اللحظة أكثر مما تهديه بوصلة الحكمة نحو المستقبل. كأننا أوقدنا نار الثورة لا لننضج بها فكرة التغيير، بل لنتعجّل ثمرتها قبل أوانها، فصارت كطبخ على نار عويش، يُحرق ظاهرها ويترك جوهرها نيئاً. هكذا تلألأت الثورة في سطحها، لكنها في عمقها لم تستوفِ شروط التحوّل، لأن في التأني السلامة، وفي العجلة ندامة.

فالتغيير، في جوهره، ليس قطيعةً مع الماضي بقدر ما هو إعادةُ تشكيلٍ للإنسان، يُبنى بالتدرّج لا بالاندفاع، وبالتراكم لا بالانفجار. يحتاج إلى نَفَسٍ طويل، وعقلٍ استراتيجي يتجاوز وهج اللحظة، ووعيٍ يعبر من الانفعال إلى هندسة المصير، ومن شهوة الهدم إلى قدرة البناء، لأن ما لا ينضج في الداخل لا يصمد، وإن بدا في الخارج متماسكاً.

ومن هنا وقع الخلط الفادح بين الإقصاء والتحوّل؛ فليس كل من كان في الضفة الأخرى عدواً دائماً، ولا كل من ادّعى التغيير صادقاً فيه. معيار الانتماء لأي مشروع وطني لا يُقاس بالماضي، بل بصدق التحوّل وكفاءة العطاء. لقد علّمنا التاريخ أن أشدّ الناس تطرفاً قد يصبحون أكثر التزاماً بنقيضه حين تتبدّل قناعاتهم بصدق، كما في الدعاء: «اللهم انصر الإسلام بأحد العمرين». غير أن هذا الانفتاح لا يُبنى على حسن الظن وحده، بل على نظامٍ صارمٍ للتحقق والمساءلة، حتى لا يتحوّل التسامح إلى منفذٍ لإعادة إنتاج الأزمة.

في لحظات الارتباك الكبرى، حين تعجز الرؤية عن إنتاج بدائل حقيقية، تتسلّل المحاصصة كحلٍّ يوهم بالعدل ويخفي العجز. هناك يُستبدل منطق الدولة بمنطق القسمة، وتُزاح الكفاءة لصالح توازنٍ هشّ لا يصمد. فهي، وإن بدت منصفةً في ظاهرها، تحمل في عمقها بذور التفكك، لأنها تعيد توزيع الضعف بدل معالجته. أما الدولة التي يُراد لها أن تصمد، فلا تُبنى إلا على قاعدةٍ صلبة.! تقديم القويّ الأمين، لا الأقرب حضوراً ولا الأعلى صوتاً.

ثم جاءت لحظة الفراغ الأكبر. حين بقيت الجماهير التي صنعت الثورة خارج المعادلة. ذلك الحشد الهائل، الذي وحّدته لحظة الوعي، لم يتحول إلى كيانٍ منظم يحمي منجزه ويطوّره. تُركت الطاقة الشعبية سائبة، فاستعادت النخب دورها القديم، لا بوصفها أداة قيادة، بل بوصفها بديلاً عن الجماهير. وهنا انكشفت الأنانية السياسية في أوضح صورها، حين خافت القوى من شراكة الكفاءات بدل أن تستند إليها.

والأخطر من ذلك، أن الخلط استمر بين قيادة الثورة وإدارة الدولة. فليس كل من أحسن الهتاف قادراً على اتخاذ القرار، ولا كل من قاد الحشود يملك أدوات إدارة المؤسسات. إن المرحلة الانتقالية، بطبيعتها المعقدة، تحتاج إلى عقولٍ تُجيد التخطيط أكثر مما تُجيد التعبئة، وإلى خبراتٍ تُحسن إدارة التوازنات دون أن تفقد البوصلة الأخلاقية.

إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بتكرار الثورة، بل بإعادة تعريفها. بتحويلها من لحظة انفجار إلى عملية بناء، ومن فعلٍ احتجاجي إلى مشروعٍ وطني طويل النفس. وهذا يتطلب إعادة تشكيل الكتلة الثورية في صورة كيانٍ سياسي حقيقي، يستمد شرعيته من الناس لا من التوافقات المغلقة، ويعمل وفق رؤية استراتيجية تعيد صياغة الدولة لا مجرد إدارة أزمتها.

كما يقتضي الأمر قطع منطق المحاصصة، الذي لا يعالج الخلل بل يعيد توزيعه، واستبداله بمعيار صلب يقوم على الكفاءة والنزاهة، ولو جاء أصحابه من خارج الدوائر المألوفة. ويستلزم ذلك بناء آليات مساءلة دقيقة، تميز بين من تغيّر حقاً، ومن يجيد فقط التحدث بلغة التغيير، إيماناً بأن الإنسان قادر على التحوّل في فكره وقناعاته، لكن صدق هذا التحول لا يُقاس بالادعاء بل يُختبر بالفعل. والأهم من ذلك، إعادة الجماهير إلى قلب العملية السياسية، لا كأداة ضغط عابرة، بل كشريك أصيل في صناعة القرار وحارس دائم للتغيير.

أن أخطر ما يهدّد الثورات ليس خصومها، بل وهم (الشرعية الثورية)، حين تُثقل بما لا تحتمل، فتنقلب من استثناء عابر إلى قاعدة مقلقة. في تلك اللحظة تتراجع الضوابط لا سقوطاً، بل اختباراً لإمكان استعادتها أكثر صلابة. وهنا يتحدّى السؤال جوهر التجربة. كيف نُسرّع الخطى دون أن نفقد بوصلة الحكمة؟ إذ يظل الاستثناء أداةً لعبور الخلل، لا ذريعةً لتكريسه، ما لم يُدار بوعيٍ ينفذ إلى الجذور، حتى لا يرث القادم عطب الأمس في صورة جديدة.

حين تنزلق الثورة من ميزان العدالة إلى شهوة الثأر، تفقد معناها الأخلاقي ويحلّ الانتقام مقام الرسالة. لذا تغدو المصالحة الوطنية بإنصاف الضحايا وردّ الحقوق شرطاً لإغلاق جراح الماضي لا لإدامتها. فالثورات لا تُقاس بما تُسقطه، بل بما تُشيّده. فإن ظلت أسيرة الغضب دارت في حلقة الانفجار والانكسار، وإن ارتقت من الألم إلى الوعي، ومن الوعي إلى فعلٍ منظم، لم تغيّر هيئة السلطة فحسب، بل تعيد تعريف الوطن، وتمنح المستقبل شكلاً يليق بالأمل والكرامة.
abudafair@hotmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات