د.رجاء عبدالله حمد الزبير
تشكل حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة حجر الزاوية في منظومة القانون الدولي الإنساني، لا سيما في النزاعات المسلحة غير الدولية التي تتسم بتعقيد أطرافها وتداخلها. وقد أرست المادة (3) المشتركة من اتفاقيات جنيف، إلى جانب المواد (4–6) من البروتوكول الإضافي الثاني، والقواعد (78–88) من القانون الدولي الإنساني العرفي، إطاراً قانونياً واضحاً يفرض معاملة إنسانية للمحتجزين، ويحظر الاعتداء على حياتهم وسلامتهم البدنية والنفسية، ويجرم التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة، أياً كانت صفة الجهة القائمة بالاحتجاز، بما في ذلك القوات المسلحة المتمردة على السلطة الحكومية.
فالمحتجزون من المدنيين في قبضة الخصم يظلون في وضع ضعف يستوجب الحماية، ويُعد أي انتهاك لحقوقهم الأساسية خروجاً صريحاً على قواعد آمرة في القانون الدولي، لا يجوز التنصل منها أو تبريرها تحت أي ظرف.
في هذا السياق المعياري الواضح، تبرز مأساة سجن شالا بمدينة الفاشر كواحدة من أكثر الصور قتامة لانهيار الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. فمنذ سيطرة قوات الدعم السريع على السجن في أكتوبر 2025، تحول هذا المرفق من مؤسسة احتجاز تقليدية إلى مركز واسع النطاق لاحتجاز آلاف المدنيين في ظروف بالغة القسوة، حيث تشير التقارير الميدانية إلى وجود أكثر من تسعة آلاف محتجز، غالبيتهم من المدنيين، بينهم جرحى أصيبوا خلال العمليات العسكرية، دون أن تتوفر لهم أدنى مقومات الرعاية أو الحماية.
إن ما يجري داخل سجن شالا لا يمكن توصيفه باعتباره مجرد تجاوزات فردية أو إخفاقات ظرفية، بل يعكس نمطاً ممنهجاً من الانتهاكات الجسيمة، التي تشمل الحرمان من الرعاية الصحية، وانتشار الأوبئة وعلى رأسها الكوليرا، ونقص الغذاء والمياه، وهي ظروف ترقى في مجملها إلى معاملة لا إنسانية ومهينة، محظورة بشكل قاطع بموجب القانون الدولي الإنساني. كما أن ما ورد في التقارير من وقوع حالات وفاة نتيجة الإهمال الصحي وسوء الأوضاع المعيشية، يمثل انتهاكاً مباشراً للحق في الحياة، الذي يشكل أحد أهم القواعد الآمرة التي لا يجوز المساس بها.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى ممارسات أكثر خطورة، من بينها التعذيب المنهجي للمحتجزين، وهو سلوك محظور بصورة مطلقة، لا يقبل أي استثناء أو تبرير، سواء في حالات الطوارئ أو أثناء النزاعات المسلحة.
فالتعذيب، وفقاً للقانون الدولي، يعد جريمة قائمة بذاتها، كما يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب إذا ارتكب في سياق نزاع مسلح، وهو ما يبدو متحققاً في حالة سجن شالا وفقاً للوقائع الموثقة.
ومن أكثر المشاهد قسوة وإيلاماً ما أوردته التقارير بشأن إجبار بعض المحتجزين من المدنيين على دفن الموتى داخل السجن في ظروف غير إنسانية، وهو سلوك ينطوي على امتهان لكرامة الإنسان، حياً وميتاً، ويشكل انتهاكاً مركباً لقواعد الحماية، إذ يجمع بين الإكراه والمعاملة المهينة والتعدي على الكرامة الإنسانية، وهي كلها محظورات صريحة في القانون الدولي الإنساني.
إن هذه الانتهاكات، التي تقع في سياق نزاع مسلح غير دولي، لا تعفي مرتكبيها من المسؤولية بحجة أنهم ليسوا دولة أو سلطة رسمية، إذ أن قواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة تلك الواردة في المادة (3) المشتركة، تلزم جميع أطراف النزاع دون تمييز، بما في ذلك القوات المسلحة المتمردة، بحد أدنى من المعايير الإنسانية في معاملة الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، أو الذين أصبحوا خارج القتال، بما في ذلك المحتجزون.
غير أن المأساة لا تقتصر على حجم الانتهاكات فحسب، بل تمتد إلى حالة الصمت أو العجز الدولي التي صاحبتها في الآونة الأخيرة، رغم توثيق هذه الجرائم في تقارير دولية متعددة. فقد أصبحت قواعد القانون الدولي الإنساني، في ظل هذا الواقع، وكأنها نصوص جامدة تفتقر إلى آليات فعالة للإنفاذ، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى النظام القانوني الدولي في حماية المدنيين في النزاعات المعاصرة، خاصة عندما تكون الانتهاكات جسيمة ومستمرة.
إن ما يحدث في سجن شالا يستدعي تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي، ليس فقط على مستوى الإدانة، بل من خلال تفعيل آليات المساءلة الدولية، وضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الانتهاكات من العقاب، سواء عبر الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، أو من خلال الاختصاص الجنائي الدولي فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة في إقليم دارفور.
وفي الختام، تبقى معاناة المدنيين المحتجزين في سجن شالا شاهداً مؤلماً على الفجوة بين القواعد القانونية والواقع العملي، وتذكيراً بأن حماية الإنسان في زمن الحرب ليست مجرد التزام قانوني، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية لا يجوز التهاون فيها.
فحين تُنتهك كرامة الإنسان بهذه الصورة، يصبح الصمت شراكة، والتقاعس خذلاناً، ويغدو إنفاذ القانون الدولي الإنساني واجباً لا يحتمل التأجيل.
