السبت, أبريل 4, 2026
الرئيسيةمقالاتوجه الحقيقة ...

وجه الحقيقة الطريق إلى الجمهورية الرئاسية د/إبراهيم شقلاوي

في بلادنا، تُعَدّ القراراتُ العسكريةُ دائمًا إشاراتٍ سياسيةً، تُقرأ في سياق إعادة رسم مسرح السلطة. لذلك يُنظَر إلى ما جرى بالأمس في رئاسة هيئة أركان القوات المسلحة، من تعيين الفريق أول ركن ياسر العطا رئيسًا للأركان ونوابه، من خلال مفهومٍ يتجاوز حدود “الإجراءات العسكرية الروتينية” إلى فضاءٍ أوسع: فضاء هندسة المرحلة المقبلة.

في هذا المقال نحاول قراءة المشهد في جانبه السياسي بالنظر إلى تحديات الانتقال، و تطور العمليات العسكرية، ووحدة القرار داخل مؤسسة القيادة، والتحضير للمرحلة القادمة التي تتشكل فيها رؤية حكم البلاد.

في هذا السياق، يمكن قراءة تقديم العطا الذي قوبل بارتياح واسع وصدى لافت بين السودانيين ، لقيادة أركان الجيش، باعتباره خطوة أولى ضمن ترتيبات إعادة هندسة السلطة تمهيدًا لمرحلة أكثر مركزية. كما أن تعيين قيادات ذات حضور ميداني وتأثير معنوي وسط السودانين يعزز هذا الاتجاه، من زاوية الكفاءة، و من حيث إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع في لحظة تتطلع فيها البلاد إلى تعزيز الثقة في مؤسساتها.

هذه خطوة بجانب بعدها العسكري ، أيضاً تعتبر إشارة واضحة إلى هندسة محتملة للسلطة علي مستوى رأس الدولة، حيث تتلاقى القوة التنفيذية مع النظم العسكرية في نقطة واحدة. بالتالي ليست مفاجئة، فهي امتداد لتجربة سودانية طويلة عبر التاريخ أكدت أهمية وحدة القرار في رأس الدولة، خاصة خلال الأزمات، حيث يزيد ذلك من فاعلية القيادة في الحسم.

عليه إذا أسقطنا ذلك على الحالة السودانية، فإن التغييرات الحالية يمكن قراءتها كخطوة نحو مركزية أعلى للحكم ، حيث يصبح الجيش ليس فقط أداة للدولة، بل حاملًا مباشرًا لمشروعها السياسي. بما يعني ربما الاتجاه نحو “جمهورية رئاسية” مؤكد الإجابة ليست حاسمة، لكنها تلوح في الأفق.

التكهنات المتداولة حول حل مجلس السيادة ، حتى وإن لم تتأكد رسميًا، تعكس مناخًا عامًا يتجه نحو تبسيط البنية الانتقالية التي اتسمت بالتعقيد منذ نشأتها. فالمجلس السيادي، بصيغته الجماعية، كان تعبيرًا عن توازنات بين عسكريين ومدنيين وقوى سياسية ذهبت مع التمرد. لذلك في زمن الحرب، تميل هذه الصيغ إلى التفكك لصالح نموذج أكثر تركيزًا.

هنا يصبح من المرجح الانتقال من “القيادة الجماعية” إلى “القيادة الفردية العسكرية ”. هذا لا يعني بالضرورة تكرار التجربة المصرية كما يُشاع في المقارنات الشعبية، فلكل سياقه و شروطه، لكن التشابه يكمن في آلية الانتقال: من مؤسسة عسكرية قوية إلى مركز سياسي واحد مدعوم بها.

وفي بلد مثل السودان، حيث التاريخ السياسي مثقل بدورات الحكم العسكري، فإن أي خطوة في اتجاه المركزية تُقرأ بحذر، حتى وإن جاءت تحت ضغط الضرورة وتطورات الحرب. مع ذلك يبقى السؤال المهم : هل هذه التغييرات تُبنى على رؤية للدولة… أم على ضرورات اللحظة؟

إذا كانت هذه الاجراءات جزءًا من مشروع تحول متكامل لإعادة بناء الدولة “مؤسسات، اقتصاد، شرعية سياسية” ، فقد تمثل بداية انتقال حقيقي.

لكن لفهم هذا التحول، لا بد من النظر إلى الإطار الدستوري الذي يحكم المرحلة. فالبلاد تُدار اليوم وفق وثيقة دستورية معدلة 2025 ، تطورت من صيغة انتقالية إلى ما يشبه دستور الأمر الواقع، تعكس ميزان القوة القائم أكثر مما تعكس توافقًا سياسيًا جامعًا للسودانيين. في المقابل يبرز خلال النقاش العام استدعاء دستور 2005، باعتباره عبر عن مرحلة شهدت قدرًا من الشراكة السياسية عقب اتفاقية السلام الشامل لجنوب السودان، حيث شاركت فيه معظم الأحزاب و الكيانات السياسية السودانية.

هنا تتشكل مفارقة حادة: بين رويتين، المقاربة بينهما تمثل قفزة بين منطقين متعارضين. فإعادة العمل بـ دستور 2005 بشكل صريح ربما غير ممكن، لأنه نشأ في سياق سياسي مختلف جذريًا. وفي المقابل، فإن الاستمرار في الوثيقة الحالية المعدلة ، يكرس واقعًا يفتقر إلى الإجماع العام.

من هنا، يبرز سيناريو أكثر واقعية: إنتاج صيغة دستورية هجينة، تستلهم الوثيقة و دستور 2005، و تعيد صياغتهما بما يتناسب مع موازين القوة الراهنة، وتمنح مركز القرار التنفيذي سلطة أوسع. هذه الصيغة، إن تحققت، ستكون التعبير القانوني عن مسار سياسي يتجه نحو الجمهورية الرئاسية، حيث تتوحد الإرادة السياسية مع الظهير العسكري في مركز واحد، لمجابهة المخاطر الأمنية والسياسية، والتكيف مع تحديات الانتقال.

لكن قوة الدستور وحدها لا تكفي، فغياب المؤسسات التشريعية يترك القيادة العسكرية والسياسية في موقع حرج عند اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب، السياسات الخارجية، والتوازنات الإقليمية والدولية.

هنا تظهر ضرورة قيام المجلس التشريعي، حتى بصيغة مؤقتة أو تعيين محدد، ليكون صوت الشعب وغطاءً شرعيًا لكل مبادرة أو قرار حكومي. المجلس التشريعي لا يضيف فقط شرعية للقرارات، بل يعزز قدرة الحكومة على التفاوض ، ويخفف من الاحتكاك بين القيادة والشعب في الأزمات، ويجعل مركز القرار أقوى وأكثر قبولًا داخليًا وخارجيًا.

لذلك، وبحسب #وجه_الحقيقة ، فإن السؤال الجوهري لا يتمثل في اتجاه السودان نحو الجمهورية الرئاسية بقدر ما يتمثل في ماهية هذه الجمهورية وهي تتشكل. أهي صيغة تُوازن بين القوة والشرعية ومقتضيات المشروع الوطني، أم نموذج ينكمش في مركز قرار واحد؟ في هذه المسافة الدقيقة، يُرسم مصير الدولة، وتُختبر آمال السودانيين في استعادة الأمن.

دمتم بخير وعافية.
السبت 4 أبريل 2026 م Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات