بقلم الصادق علي حسن.
الأزمة السودانية تجاوزت الأطراف المحلية المتصارعة على السلطة .
الباحث في الأزمة السودانية قد يجدها لم تعد كما كان عليه الحال في السابق محصورة في الأطراف المحلية الداخلية المتصارعة على السلطة، بل صارت لها ارتباطات خارجية، وليس كما ورد في تقرير مجلة لو بوان الفرنسية في أنها أزمة البنية الهجينة للدولة السودانية وارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين، ومدى القدرة على استعادة الجيش لدوره الوطني ، فالأمر لم يعد قاصرا على جماعة الإخوان المسلمين والبنية الهجينة للدولة ، فقد أرتبطت الأزمة بأطراف خارجية منها باريس ، كما ولغيرها من عواصم أوربية وعربية وإفريقية أخرى أدوارها في الأزمة وفي تعطيل قيام الجيش السوداني بدوره ومهامه الأساسية ، إن مهام الجيش السوداني ودوره المنوط به بموجب قانونه حماية البلاد ، وحماية البلاد لن تتحقق إلا من خلال تنفيذ الإرادة الوطنية المعبرة عن الشعب السوداني تعبيرا حقيقيا ،وذلك من خلال التفويض الشعبي الإنتخابي . فالجيش يأتمر بأوامر القيادة العليا للبلاد ، ومن خلال الممارسات السياسية في ظل دكتاتورية نظام المؤتمر الوطني وجماعة الإخوان المسلمين ومنسوبيهما في الجيش والتنظيم ، لقد تم الزج بالجيش لثلاثة عقود في أعمال ومهام سياسية غير أعماله أو مهامه وبالمخالفة لقانونه ، كما وللقصور الذي لازم الممارسة السياسية العامة بالبلاد ، وليس الجيش وحده الذي عاني من عدم سلامة الممارسة السياسية بالبلاد . فإن ما ورد بمجلة لو بوان الفرنسية عن البنية الهجينة للدولة واستعادة الجيش لدوره الوطني ، يتطلب النظر في مدى القدرة على استعادة الإرادة الوطنية لكل مؤسسات الدولة السودانية باستعادة الحياة الدستورية للبلاد ، فالجيش مؤسسة خدمة عامة عسكرية ، كما والجنود بحكم القانون يقومون بتنفيذ التوجيهات والأوامر الصادرة من قياداتهم العسكرية العليا ، لذلك استعادة الدور الوطني للجيش مدخله استعادة الحياة الدستورية للبلاد والالتزام بقانون قوات الشعب المسلحة والعمل به وسيادة أحكام القانون .
دور فرنسا في تعطيل استعادة الدور الوطني للجيش السوداني .
في ديسمبر ٢٠١٨م ، خرجت الجموع السودانية الهادرة تتقدمها فئات الشباب والطلاب والمرأه مطالبة باستعادة الدولة من النظام السياسي للإخوان المسلمين ،ولكن المؤسف حقا لم تقم دول الغرب بدعم تجربة الانتقال الديمقراطي في البلاد ، بل استغلت ظروف الهشاشة السياسية، لتمرير أجنداتها خدمة لأهدافها ، وتوجيه مسار حكومة د.حمدوك من خارج أسوار مؤسساتها الرسمية . لقد كانت شعارات الثوار المرفوعة (الجيش للثكنات والجنجويد ينحل) ، وقد قام الإتحاد الأوروبي بتقديم الدعم الفني لقوات السريع لاستخدامها في مخططاته المتعلقة بمكافحة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، كما وأستغلت فرنسا حالة السيولة، وقلة تجارب الذين تصدروا المشهد السياسي وتولوا مهام إدارة الدولة برئاسة د.عبد الله حمدوك وزملائه بتنظيم حركات مسلحة من دارفور ظلت تقاتل في ليبيا باسم تحالف المسار الديمقراطي، وذلك لجلب تلك الحركات من ليبيا والحاقها بمؤسسات الدولة السياسية والعسكرية والمدنية خدمة لمآربها في الحفاظ على مصالحها التي باتت مهددة بتنامي الوعي الشعبي بدول حزام الغرب الإفريقي. ومن خلال تلك المعادلة ،تضمن فرنسا وجودها ضمن المعادلة السياسية والعسكرية السودانية التي تحقق أغراضها في دارفور وتشاد ودول الحزام الغرب الإفريقي .
تحالف المسار الديمقراطي.
تقرير مجلة لو بوان الفرنسية الذي خلص إلى أن المدخل لحل الأزمة السودانية في أستعادة الجيش السوداني لدوره الوطني ومعالجة البنية الهجينة القائمة في الدولة، كما الذي تناوله الكاتب أواب عزام البوشي في مقاله المذكور ، لم يتناول تقرير مجلة لو بوان الفرنسية المذكور ،ولا الكاتب أواب عزام البوشي الذي اعتمد في تحليله على ذلك التقرير عن الأزمة السودانية كل جوانبها، وما تحيط بها من تعقيدات ،وأصابع الأدوار الخارجية التي صارت سمة بارزة في الأزمة السودانية ، ومنها الدور الفرنسي، والدور الإماراتي وغيرهما من أدوار الجوار السوداني ودول الخليج ، ففرنسا التي تبذل مساعيها الدؤوبة في السنوات الأخيرة لمعالجة الأزمة السودانية عبر منظمة بروميديشن الفرنسية، ظلت توظف النخب السودانية لخدمة أهدافها ، ونتيجة لأوضاع حالة السيولة التي تشهدها الدولة السودانية ، تطور الدور الفرنسي في السودان إلى مرحلة صناعة تحالفات للحركات المسلحة لتأمين مصالحها المهددة بالزوال في دول حزام الغرب الإفريقي . وهي محاصرة بالوعي الشعبي المتمدد بدول الحزام الإفريقي، فمنذ بضعة سنوات خلت ،خاطبت السيدة رايموندى أيلدا كوما من بوركينا فاسو الرئيس ماكرون في مؤتمر إفريقي محضور بأن إفريقيا لم تعد تقبل بالوجبة الجاهرة التي تعدها باريس ، ولا بد من شراكة حقيقية للحفاظ على المصالح ، كما وعلى ذات النسق في مؤتمر إفريقي آخر في أكتوبر ٢٠٢١م، خاطبت الناشطة ديكو من مالي الرئيس ماكرون بخطاب انتقدت فيه بشدة السياسة الفرنسية تجاه دول الساحل الإفريقي وتلعثم الرئيس ماكرون في ردوده وقد طالبته بأن لا تمارس فرنسا الدور الأبوي على دول الغرب الإفريقي، ولكن ذلك الوعي والإدراك لم يظهر حتى الآن في السودان ، ولا تزال قيادات القوى المدنية والسياسية السودانية تتجول حاملة حقائبها تبحث عن الحلول للأزمة من خلال ورش بروميديشن وعواصم الغرب .
الدعم الفرنسي لحكومة حمدوك إنشاء تحالف عسكري جديد ؟ .
بالرجوع لإعلان تأسيس تحالف قوى المسار الديمقراطي في نيامي ١٠ يونيو ٢٠٢٢م وقد ضم إعلان التأسيس ثمانية حركات مسلحة سودانية من دارفور مقاتلة بدولة ليبيا ،وقد كان الغرض الأساسي المعلن من إنشاء التحالف إخراج المقاتلين الأجانب من ليبيا ومنهم السودانيين . وبذلك كان الدعم الفرنسي لحكومة الثورة بقيادة د.عبد الله حمدوك مدها بتحالف عسكري جديد ، والدفع بذلك التحالف للمشاركة في محاصصة قسمة السلطة على غرار اتفاق جوبا ، وجلب تلك الحركات المسلحة التي ذهبت لتقاتل في دولة غير دولتها وقضايا غير قضايا ، كما وتندرج أنشطتها القتالية في تلك الدولة ضمن الأفعال المجرمة دوليا وقدتأسس تحالف المسار الديمقراطي المذكور من الحركات الآتية (مجلس الصحوة الثوري الذي أسسه الشيخ موسى هلال- حركة العدل والمساواة السودانية الجديدة بقيادة منصور أرباب – الحركة الثورية للعدل والمساواة بقيادة يس عثمان -حركة تحرير السودان-القيادة المستقلة بقيادة عباس جبل مون – مجلس الصحوة القيادة الجماعية بقيادة علي السافنا – حركة العدل والمساواة التصحيحية بقيادة زكريا الدش- مجلس الصحوة الثوري للتغيير والإصلاح بقيادة عبد الله حسين). لم تكن هنالك أي قرارات صادرة من الأمم المتحدة أو أي جهة أخرى ذات صلة بالأزمة السودانية مثل الإتحاد الإفريقي أو الإيغاد، خولت فرنسا لتقوم بمساعيها وتجميع الحركات المسلحة السودانية المقاتلة في ليبيا لإعادتها إلى السودان وهنالك تصريحات فرنسية وقتذاك بأن المساعي الفرنسية ترتكز لتفاهمات سابقة قامت بها الأمم المتحدة لإجلاء المقاتلين الأجانب من ليبيا ، أي لا ترتكز هذه المساعي لأي تكاليف صادرة من أي جهة ، وهنا يأتي السؤال الأهم ، كيف يمكن تنفيذ مخرجات هذه المساعي الفرنسية ،وذلك بغض النظر عن أهدافها المستترة ،طالما لم ترتكز على مرجعية يمكن أن تكون لديها القدرة على إنفاذها. أو على الأقل الآليات مثل مجلس الأمن الدولي .
