الثلاثاء, مارس 31, 2026
الرئيسيةمقالاتالعميدُ طبيبٌ طارقٌ الهادى كجابٌ …أديبُ الأطباءِ وطبيبُ الأدباءِ

العميدُ طبيبٌ طارقٌ الهادى كجابٌ …أديبُ الأطباءِ وطبيبُ الأدباءِ

كتب دكتور عبد الشكور حسن أحمد( المحامي)

منذُ نعومةِ أظافرِهِ، لم يكنْ طارقٌ كجابٌ عابرًا في مسيرةِ الحياةِ، بل كان مشروعَ رجلٍ تُقرأُ ملامحُهُ باكرًا. لم يتبدَّلْ، ولم يتلوَّنْ، ولم تُزحزِحْهُ رياحُ الأزمنةِ المتقلِّبةِ؛ ظلَّ كما هو: ثابتَ الخطى، واضحَ الوجهةِ، عميقَ الإيمانِ. منذُ مقاعدِ الجامعةِ، كان زملاؤُهُ يرون فيه ذلك الشابَّ الذي لم تُغطِّ ذقنُهُ نزوةً عابرةً، بل كانت عنوانَ قناعةٍ، وسِمةَ التزامٍ، ودليلًا على روحٍ تربَّتْ على الطهرِ واليقينِ.

كان بارًّا بأهلِهِ، قريبًا من صحبِهِ، صادقَ الصلةِ بربِّهِ. لم يكنِ الإيمانُ عنده كلماتٍ تُقالُ، بل جذورًا ضاربةً في القلبِ، نمتْ حتى أزهرتْ خُلُقًا، وأثمرتْ موقفًا. فالإيمانُ الذي يسكنُ الأعماقَ لا بدَّ أن يظهرَ يومَ الشدَّةِ، وقد ظهرَ في طارقٍ حين اختبرتْهُ الأيامُ، فكان على قدرِ العهدِ.

طارقٌ… ذلك الطبيبُ الطيِّبُ، الذي عالجَ الألمَ بيدِهِ، وخفَّفَ الوجعَ بحضورِهِ، لم يكن يومًا طبيبًا فحسب، بل كان إنسانًا قبلَ كلِّ شيءٍ. يرى المريضَ أخًا، والجرحَ أمانةً، والإنقاذَ واجبًا لا يقبلُ التأجيلَ. وحين ارتدى البذلةَ العسكريَّةَ، لم يخلعْ إنسانيَّتَهُ، بل زادَها انضباطًا وشرفًا، فصار ضابطًا يعرفُ معنى الواجبِ، ويدركُ أن الوطنَ لا يُحمى بالكلماتِ، بل بالتضحيةِ.

في اللحظاتِ التي ضاقتْ فيها الوسيعةُ، وتراجعَ فيها كثيرونَ، كان طارقٌ ثابتًا كجبلٍ لا تهزُّهُ العواصفُ. لم يهربْ حين اشتدَّ الخطبُ، ولم يجبنْ حين تفرَّقَ الجمعُ، بل ظلَّ واقفًا، يقاتلُ بسلاحِهِ، ويُداوي بمشرطِهِ، ويُطمئنُ بكلماتِهِ. جمعَ بين قوتينِ قلَّ أن تجتمعا: قوَّةِ المقاتلِ، ورحمةِ الطبيبِ.

منذُ سقوطِ الخرطومِ وحتى تحريرِها، لم يكن مجرَّدَ شاهدٍ على الأحداثِ، بل كان فاعلًا في قلبِها. كان صوتُهُ يسبقُ الخوفَ، وكلماتُهُ تُسكِّنُ رعبَ الناسِ، وحضورُهُ يمنحُهم شعورًا بأن الوطنَ ما زال بخيرٍ ما دام فيه رجالٌ من طينتِهِ. لم يكن يقولُ ليُسمعَ، بل كان يفعلُ ليُحتذى.

هو ليس قصةً تُروى، بل موقفٌ يُدرَّسُ. وليس اسمًا يُذكرُ، بل قيمةٌ تُغرسُ. طارقٌ كجابٌ يمثِّلُ ذلك النموذجَ النادرَ: رجلٌ حين تختلطُ الأوراقُ، يبقى واضحًا؛ وحين تشتدُّ المحنُ، يزدادُ صلابةً؛ وحين يتراجعُ الآخرونَ، يتقدَّمُ.

إنَّهُ العميدُ الطبيبُ، الذي لم تفصلْهُ المهنةُ عن الميدانِ، ولم يُبعدْهُ الواجبُ عن الرحمةِ. رجلٌ كتبَ سيرتَهُ بعملِهِ، لا بحبرِهِ، ونقشَ اسمَهُ في وجدانِ الناسِ لأنَّهُ كان بينهم، معهم، ولأجلِهِم.

سلامٌ على طارقٍ… يومَ اختارَ الطريقَ الصعبَ، ويومَ ثبتَ عليهِ، ويومَ صارَ مثالًا يُحتذى. سلامٌ على طارقٍ حين ترجلَ من قواتِ الشعبِ المسلَّحةِ راضيًا هاشًّا باشًّا، لم يندبْ حظًّا ولم يستكنْ ضعفًا، ولم يستنكرْ وصفًا.

يا طارقُ، طرقتَ أمرًا جليلًا، لأنَّكَ صاحبُ نفسٍ كبيرةٍ لا تذلُّ ولا تهابُ ولا تخافُ الأمريكانَ. سلامٌ عليكَ صديقي وإن تغرِّدْ لسربٍ شاكرٍ وآخرَ غادرٍ.

سلامٌ عليكَ يا طارقُ وأنتَ تسطِّرُ في جباهِ الخونةِ معنى الوطنيَّةِ، سلامٌ عليكَ يا طارقُ وأنتَ تدافعُ عن وطنٍ أدمَاهُ وأثقلَهُ جراحُ الغدرِ والخيانةِ، سلامٌ عليكَ وأنتَ أديبُ الأطباءِ وطبيبُ الأدباءِ.

واللهُ المستعانُ
عبدُ الشكورِ حسنٌ أحمدُ المحامي

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات