الثلاثاء, مارس 31, 2026
الرئيسيةمقالاتمشاهدات. ...

مشاهدات. حفلات بلا جمهور …حين يسقط التنظيم وتُدفع فاتورة الفشل من جيب الفن السوداني
بقلم/ عمر المونة

!

في مشهدٍ يتكرر بصمتٍ مؤلم، أصبحت بعض الحفلات السودانية في المملكة العربية السعودية مثالًا صارخًا على كيف يمكن لسوء التنظيم أن يفسد أجمل الفنون، وأن يحوّل ليلةً كان يُفترض أن تكون احتفالًا بالوجدان إلى تجربة باهتة لا تُرضي جمهورًا ولا تُنصف فنانًا.
لم تعد الأزمة في قلة الإقبال كما يروّج البعض، بل في عمقها أزمة إدارة واحتراف. فالجمهور السوداني في المملكة ليس جمهورًا عابرًا أو سهل الاستقطاب، بل هو جمهور ذواق، ينتقي فعالياته بعناية، ويبحث عن تجربة مكتملة تحترم وقته وذائقته. وحين لا يجد ذلك، فإنه ببساطة يعزف عن الحضور.
إن تنظيم الحفلات لم يعد نشاطًا ارتجاليًا قائمًا على الحماس والشغف وحده، بل صناعة متكاملة تتطلب دراسة دقيقة للسوق، وفهمًا عميقًا لسلوك الجمهور، وقدرة على بناء حملة تسويقية ذكية تصل إلى الفئة المستهدفة في الوقت المناسب وبالرسالة المناسبة. غير أن ما يحدث في كثير من الحالات هو العكس تمامًا؛ اجتهادات فردية، وقرارات عشوائية، وتسويق ضعيف يفتقر إلى المهنية، فينتج عنه حضور هزيل، وخسائر متوقعة، وتجربة مشوشة.
كما أن سوء اختيار المواقع، وضعف التجهيزات الفنية، وغياب الهوية البصرية للحفل، كلها عوامل تضاعف من حجم المشكلة، وتؤكد أن الخلل ليس في عنصر واحد، بل في منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة بناء. فالفنان الذي يأتي ليقدم إبداعه، يجد نفسه في بيئة لا تعكس قيمته، والجمهور الذي دفع ليحضر، يصطدم بواقع لا يوازي توقعاته.
الأخطر من ذلك أن هذه التجارب المتكررة تترك أثرًا سلبيًا طويل المدى، يتمثل في فقدان الثقة، ليس فقط في الجهة المنظمة، بل في فكرة الحفلات السودانية ككل. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأننا لا نخسر حفلة واحدة، بل نخسر جمهورًا، وسمعة، وفرصًا مستقبلية.
المؤسف أن البعض لا يزال يحمّل الفنان مسؤولية ضعف الحضور، أو يلوم الجمهور على عدم التفاعل، بينما الحقيقة الواضحة أن الحلقة الأضعف هي التنظيم. فنجاح أي فعالية يبدأ من منظم محترف، يمتلك رؤية، ويُجيد التخطيط، ويعرف كيف يخلق تجربة متكاملة تُبنى على الجودة لا على المجازفة.
إن الفن السوداني ثروة ثقافية لا تُقدّر بثمن، ولا يليق به أن يُقدَّم عبر منصات ضعيفة أو بجهود غير مكتملة. بل يستحق أن يُدار بعقلية احترافية تواكب ما تشهده المملكة من تطور هائل في صناعة الترفيه، وأن يُقدَّم بصورة تعكس عمقه وأصالته وتاريخه.
ختامًا…
لن تتعافى الحفلات السودانية في المملكة إلا حين نُعيد تعريف “المنظم” من مجرد وسيط إلى صانع تجربة، وحين ندرك أن الجمهور ليس رقمًا يُستهدف، بل قيمة يجب كسبها، وأن الفنان ليس اسمًا يُسوّق، بل رسالة يجب أن تُقدَّم كما تليق. عندها فقط… سنشهد حفلات تليق بالسودان، وتستحق الحضور.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات