الخميس, مارس 19, 2026

22 ألف تلميذ في مهبّ الضياع هل نُسلم فلذات أكبادنا للمجهول. بقلم/ د.إسماعيل الحكيم



ليس من قبيل المبالغة أن نقول إننا أمام “نكبة تربوية” صامتة تهدد مستقبل ولاية الخرطوم. فبينما نحتفي بقرابة الـ 97,000 ناجح، نقف ببرود مريب أمام فيلق من الخاسرين قوامه 22,000 تلميذ وتلميذة؛ جيش من الصغار وجدوا أنفسهم فجأة خارج أسوار الأمل، يطرقون أبواب اليأس في ربع الكتلة الطلابية التي جلست للامتحانات وحققت النجاح .
إن هؤلاء التلاميذ الذين لم يحالفهم النجاح، هم “أبطال الضرورة” الذين جابهوا الفقر، والقلق، وانعدام الاستقرار، وأصروا على الجلوس للامتحان بشجاعة تقهر المستحيل. فهل يكون جزاء هذه العزيمة هو النبذ والإقصاء؟ وهل يُعقل أن تكتفي وزارة التربية والتعليم بدور “المتفرج” أو “الراصد” للنتائج، بينما تنهار أحلام الآلاف تحت وطأة لوائح بيروقراطية لا ترحم؟
لنكن صريحين بحد السيف: إن ترك هؤلاء الصغار لمدة عام كامل بلا مقاعد دراسية، وبلا هدف، هو بمثابة “هدية مجانية” تُقدم على طبق من ذهب لعصابات المخدرات وأساطين الجريمة المنظمة. إننا، بصمتنا هذا، نعدّ وقوداً جديداً للفاقد التربوي، ونفتح أبواب الانحراف السلوكي على مصراعيها لآلاف الأطفال الذين قد لا يعودون أبداً إلى محراب العلم إذا ما تذوقوا مرارة الشارع وقسوة الانكسار.
وأحسب أن الرسالة واضحة: إن انتظار عام آخر ليس مجرد تأخير أكاديمي، بل هو “اغتيال معنوي” وتهديد مباشر للأمن المجتمعي. فهل تتحمل الوزارة مسؤولية تحوّل هؤلاء الأطفال إلى قنابل موقوتة في أزقة الخرطوم؟
إنني لا أطالب بالمعجزات، بل أطالب بـ إرادة تربوية شجاعة تعي معنى الأزمة. وأوجه هذا النداء الصارم لخبراء وزارة التربية والتعليم:

  • امتحان بديل (ملحق) فوراً: لا عذر لمنع فرصة ثانية لتلاميذ تعثروا في ظل ظروف قاهرة. “الملحق” ليس إجراءاً ثانوياً . إنما طوق نجاة وطني.
  • المسار الفني والمهني الإجباري: تحويل الراسبين فوراً إلى مراكز التدريب المهني والصناعي لدمجهم في التنمية بدلاً من تسريحهم للشارع.
  • تفعيل “طوارئ التعليم”: معاملة هؤلاء الطلاب كحالة إنسانية واجتماعية تتطلب تدخلاً عاجلاً، بعيداً عن صرامة اللوائح التي وُضعت لظروف طبيعية لا نعيشها اليوم.
    خاتمة القول:
    إن التاريخ لن يرحم مسؤولاً يملك القلم والقرار، ثم يشاهد 22,000 طفل وهم يسقطون في “هاوية الضياع” دون أن يحرك ساكناً. هؤلاء أطفالنا، لا أرقاماً في كشوفاتكم. فإما أن نحتضنهم اليوم بقرار تربوي شجاع، أو نطاردهم غداً في دهاليز الجريمة والمخدرات.
    فالقرار لكم.. والتاريخ يسجل.
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات