الأربعاء, مارس 18, 2026
الرئيسيةمقالاتتعيين أمجد فريد مستشاراً لرئيس مجلس السيادة قراءة تحليلية في...

تعيين أمجد فريد مستشاراً لرئيس مجلس السيادة قراءة تحليلية في جدلية الكفاءة ودوائر النفوذ

الكاتب والمحلل السياسي / زكريا علي عبدالرسول
   لم يعد المشهد السياسي في السودان يحتمل القرارات الصامتة أو التعيينات التي تمر بلا تفسير مقنع للرأي العام. فكل خطوة داخل هرم السلطة باتت تُقرأ باعتبارها مؤشراً على اتجاه الدولة، لا مجرد إجراء إداري عابر. وفي هذا السياق، أثار تعيين مستشار جديد لرئيس مجلس السيادة نقاشاً واسعاً تجاوز حدود تقييم الشخص إلى مساءلة طبيعة المنهج الذي تُدار به الدولة في مرحلة تُعد من أكثر مراحلها تعقيداً منذ الاستقلال.
من زاوية أولى، يمكن النظر إلى القرار بوصفه محاولة للاستفادة من خبرة سياسية وإدارية في لحظة تحتاج فيها السلطة إلى عقول قادرة على إدارة التوازنات الدقيقة بين الداخل والخارج. فالسودان يواجه ضغوطاً متعددة المستويات، تبدأ من تحديات الحرب والانقسام السياسي، ولا تنتهي عند تعقيدات العلاقات الإقليمية والدولية. وفي مثل هذه الظروف، تميل مراكز القرار إلى استدعاء شخصيات تمتلك القدرة على الحركة في مساحات الحوار السياسي وصياغة خطاب أقل صدامية وأكثر قابلية للتسويق الخارجي.
غير أن هذه القراءة، على وجاهتها، تصطدم بواقع سياسي واجتماعي بالغ الحساسية. فالرأي العام السوداني بات شديد الارتياب تجاه أي تعيين لا تُعلن معاييره بوضوح. ولم يعد الجدل يدور حول كفاءة الأشخاص بقدر ما يتمحور حول طبيعة البيئة التي تُنتج القرار السياسي. إذ يشعر قطاع واسع من المواطنين أن الدولة ما زالت رهينة دوائر ضيقة من الثقة والعلاقات الشخصية، وأن منطق المؤسسية لم يترسخ بعد بالصورة التي تضمن تكافؤ الفرص والعدالة في توزيع المواقع.
تكمن المشكلة الأساسية هنا في فجوة الثقة المتنامية بين السلطة والمجتمع. فحين تغيب الشفافية، تتحول كل خطوة إلى مادة للتأويل السياسي، ويصبح أي تعيين عرضة لتفسيرات تتراوح بين كونه ضرورة وطنية أو امتداداً لثقافة المحاصصة غير المعلنة. وفي ظل هذا المناخ، يفقد القرار الرسمي قدرته على الإقناع، حتى وإن كان يستند إلى مبررات موضوعية.
كما أن توقيت القرار يضاعف من حدة النقاش حوله. فالسودان يعيش لحظة تاريخية تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس جديدة من الوضوح والمساءلة. ولم يعد مقبولاً، في نظر كثيرين، أن تُدار الملفات الحساسة بذات الأدوات القديمة التي ساهمت في تعميق أزمات الشرعية السياسية وتآكل الثقة في المؤسسات.
من هذه الزاوية، يصبح الجدل الدائر حول التعيين تعبيراً عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي الانتقالي نفسه. فالدولة التي لم تستكمل بناء مؤسساتها بعد، تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين ضرورات الاستقرار السريع ومتطلبات التحول المؤسسي طويل المدى. وغالباً ما يؤدي هذا التوازن الهش إلى قرارات تبدو، في نظر الشارع، وكأنها تعيد إنتاج أنماط الحكم التقليدية حتى وهي تسعى إلى تجاوزها.
في المحصلة، لا يمكن حسم النقاش حول تعيين المستشار الجديد بمعزل عن السياق العام الذي تتحرك فيه السلطة السودانية. فنجاح أي شخصية في موقعها لا يتوقف فقط على قدراتها الذاتية، بل يرتبط أيضاً بمدى استعداد الدولة لتبني نهج أكثر شفافية في إدارة شؤونها. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار الأسماء، بل في بناء منظومة حكم تجعل من الكفاءة معياراً مُعلناً لا يُشكك فيه أحد، وتحوّل القرار السياسي من فعل مغلق إلى عملية تخضع للفهم والمساءلة.
هكذا، يتجاوز الجدل حدود شخص بعينه ليطرح سؤالاً أكبر:هل ينجح السودان في الانتقال من دولة تُدار بمنطق شبكات النفوذ إلى دولة تستند إلى مؤسسات واضحة المعايير؟الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، شكل المستقبل السياسي للبلاد أكثر مما يحدده أي تعيين منفرد.
              ،،، سروري مع خالص تحياتي ،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات