بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله واصحابه اجمعين ..
وبعد…..ـــ
الأنبياءُ هم معلمو الخلق.. والمعلمُ هو مربي الأمة إن علم قدر نفسه وعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى.. وتاريخُنا من قبل الإستغلال وبعده حفل بذكر معلمين أفذاذ قادوا الوطن وعملوا على توحيد الفكر و وضع الأسس لبناء هذا الوطن الموحد.. وبفضل الله عرفتُ بعضهم وعملتُ مع بعضهم وتعلمتُ منهم وقد أخترتُ بعضاً منهم للكتابة عنهم وذكر مناقبهم وهم أمواتٌ للترحم عليهم . والبشرُ خطاؤون ، ولم انبش في أخطاء أحدٍ منهم امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم ( أذكروا محاسنَ موتاكم) .
وفي العام 1976م كنا ( الأخ الأستاذ الفاضل جبير جبريل الشين وشخصي) ممثلين لبرام ضمن 14 معلم ممثلين لجنوب دارفور في مؤتمر لنقابة المعلمين بالخرطوم . كان وقتها د. منصور خالد وزيراً للتربية والتعليم بعد أن زُحزِحَ عنها د. محي الدين صابر … ولكن د. منصور خالد لم يحضر إفتتاح المؤتمر ولا اختتامه ، فقط كان وكيل وزارة التربية والتعليم الأستاذ محمد توم التجاني هو الذي قام بذلك . كان المؤتمرُ مميزاً وبرز فيه النقابي شيلا ومجموعته وكذلك من دارفور إبراهيم (مايكل) وغيرهم. وكانت الحكومة في ذلك الزمن لم تكن راضية عن ذلك المؤتمر الذي وصفه الرئيس نميري بأنه يمثل وجهة النظر الشيوعية في السودان . فتم حلُّ نقابة المعلمين بعد أسبوع من ختام المؤتمر ….وقد طُلبَ وقتها من د.محي الدين صابر تعريف المعلم ،وكان في تضادٍ مع المعلمين فعرف المعلم بأنه شخصٌ فشل في تعليم نفسه فذهب يبحث في تعليم الآخرين…
إخترتُ أربعةً من المعلمين الذين عرفتهم عن قرب . وقد رتبتهم حسب اقدميتهم في وزارة التربية والتعليم . وأسأل الله أن يعينني على الكتابة عن آخرين وهم كثرٌ بحمد الله والله الموفق.. وأنا أعلمُ جيداً أن هناك من يعرفهم أكثر مني، ويمكنه أن يكتب عنهم بطريقة أدق وأبلغ بتفاصيل حياتهم.
1
الإدارةُ في المؤسسات المدنية ليست أوامر وانصياع، بل هي أخذٌ ورد ، وفيها متسعٌ للشورى وتقديرٌ للرأي والرأي الآخر…. وهي بالطبع لا تخلو من التنافس والكيديات….. وفي ظلِّ هذه الأوضاع يظهر إداريون ملأت الأرض شهرتهم وذلك بتحيزهم في الوقوف مع الحق واتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب …. واحسب أن العم الأستاذ الجليل والمربي واسع الفهم علي سعيد تكنه ــ عليه رحمة الله ــ هو أحد هؤلاء الإداريين الأكفاء ، فهو رجلٌ غيور… وهذه الصفة هي مفتاح شخصيته ، فهو غيورٌ للحق أينما عَلم به … غيورٌ لمنطقته ، غيورٌ لمدينته، غيورٌ لولايته ، غيورٌ للسودان…. وبسبب هذا الفهم والغيرة حصد كثيراً من المتاعب .
كان الأستاذ علي سعيد تكنه ذا مهابةٍ وشخصيةٍ مميزة وفريدة. كان رجلاً صبوحاً ،مربوعَ القامةِ لا طولٌ ولا قصرٌ بائنٌ فيه ،مكتمل البنية ، يلبس جميل الهندام وأبيضه ، يمشي بخطى قصيرة وسريعة ، ويرفع رأسه في السير فتستقر العمامةّ في وسط رأسه كأجمل ماتكون. ويغطي صدره بملافح منتقاه… كان صوته واضحاً جلياً نافذاً. كان يمازحُ البعض ولكنه يميلُ إلى الجدِّ في أغلب الأوقات.
عمل معلماً من قبل الإستغلال بسنواتٍ وخاض معركة السودنة.. وجاب كلَّ إقليم دارفور معلماً وناظراً للمدارس ، وزامل كثيراً من كبار النُّظار أمثال عبد الرحمن زمبكية وصالح مرجان وعلي علم الدين آدم ويوسف ضو البيت ورقية محمد احمد وتاجة وغيرهم… كما عمل في إدارة التعليم في جنوب وشمال دارفور مع موجهين ومشرفين وإداريين أمثال الطيب عبدالله يعقوب وإبراهيم الشريف وسبيل ادم يعقوب ويوسف سليمان برام وغيرهم. أنشأ مدارس وخرَّج أجيالاً بعد أجيال وعمل كل مايمكن أن يعمله وطنيُّ لنهضة بلاده وأهله …. وفي السبعينات من القرن الماضي وقد كمل نضجه واستبان نهجه واستقر به المقام في نيالا ، وأصبح المسؤول الثالث ثم الثاني لإدارة التعليم…. أصبح دوره أكثر وضوحاً فانخرط في العمل العام وهو رجلٌ مصادمٌ ومنحازٌ إلى المصلحة العامة. فكان يجهرُ برأيه أمام كبار المسؤولين من ولاة وغيرهم، ويصدعُ بما يراه حقاً مهما كلفه ذلك، حتى أن الذين من شيعته يخافون عليه من البلاء الذي يمكن أن يحل به جراء مواقفه. والذين هم ضده يخافون من السِّهام التي يطلقها عليهم في مقتلٍ… ذُكر عنه وهو طالبٌ ببخت الرضا في منتصف الأربعينات من القرن الماضي وأثناء سفره مرَّ بأم روابة وقابل المفتش الإنجليزي وطلب منه فتح مدرسة بشركيلا فتعجب المفتش من جرأة هذا الطالب فسأله من اين أنت فذكر له وسأله عن علاقته بهذه المنطقة فقال له هم أهلي فاستجاب المفتش تقديراً لهذا الوفاء وفتح مدرسة اوليه بشركيلا. وقد كان الكبار من اهل شركيلا يعرفون ذلك ويذكرونه دائما …
ويُذكر عنه أنه خاض معركةً شرسة عند إختيار الشِّعار لولاية جنوب دارفور عندما تم تقسيم ولاية دارفور إلى قسمين شمال وجنوب …. فهو ومجموعته يرون أن ولاية جنوب دارفور تضم أكثر أعدادٍ للابقار على مستوى السودان، وان قبائل جنوب دارفور حينها أكثرهم رعاة للماشية والابقار ، ولابد أن يكون شعار الولاية رمزاً لهذه المجموعة … وقد إنتصر ومجموعته بأن اختير رأس الثور شعاراً للولاية…
وفي سنواته الأخيرة في الوزارة عُيِّنَ أحدهم من الخرطوم مديراً للتعليم في جنوب دارفور ، وقد بدى للناس أن هذا الرجل لم يكن همه إصلاح التعليم ، بل كان يبحث عن مصالحه… فبدأ مولانا علي سعيد بتجميع الآراء وأخذ موقف جماعي بنقله من نيالا… وقد سجلت له مكالمة هاتفية يصف فيها هذا الرجل بأنه ( أرنؤوطي) وهذه ليست شتيمة ولكن هذا هو أصله. والأرنؤوط هم جماعة من وسط أوروبا مرتزقة شأنهم شأن الغجر حضروا للسودان مع حملة محمد علي باشا. وتبغى بعضهم بالسودان وقد حملوا الجنسية السودانية وعملوا في مناصب عليا… فقد وصفه بهذه الصفة وأنه لا يحمل هماً للسودان دعك عن دارفور التي لايربطه بها إلاًّ ولا ذمة… ونتيجةً لذلك تم نقله إلى شرق السودان كخطوة عقابية.. ولمَّا لم يستجب مولانا تم وقف راتبه… وأصَّر على ذلك عاما كاملاً ثم رأت الوزارة إلغاء نقل مولانا ورد اعتباره له وتم بعد ذلك نقل الموظف.
حضرنا إلى نيالا أكثر من ثلاثين معلماً ومعلمة من جنوب دارفور للتأهيل التربوي خلال العامين 76 / 78 م وفي إدارة المعهد معلمان مقتدران هما الأستاذ عبد الرحمن حميدتي وهو مدير المعهد ، والأستاذ عباس عبد الجبار.. وقد تعلمنا منهما ما أفادنا في كثيرٍ من أمور حياتنا. وفي يوم من أيام العام 77م حدَّد لي الأستاذ حميدتي موعد معاينتي وكنت في مدرسة الشرقية بنات والمعاينة تتم بإشراك موجهين إثنين من إدارة التعليم وأحد معلمي المعهد … وعند الموعد حضر الأستاذ حميدتي وكانت المفاجئة بأن في صحبته مولانا علي سعيد تكنة – بنفسه – ومعه موجهين من الإدارة ، ففزعت المديرة رقية قبل فزعي. وحصلت ربكة لكن حسمها الجرس . فدخلتُ الفصل وكانت مادة الرياضيات للصف الخامس ودخل من بعدي الأساتذة علي سعيد تكنه وحميدتي والموجهين ومديرة المدرسة رقية. وملأ مولانا مقعده وكان الموقف صعباً لي وفيه مهابةٌ وخوف. فلولا وجود المديرة رقية بجانبي ووقوف التلميذات معي وتجاوبهن لفشلتُ… وانتهت المعاينة بسلام ، وقال لي مولانا ما قال . واستلمت التقرير بعد أسبوعٍ من الأستاذ حميدتي. وهو تقريرٌ يوضح كل الإيجابيات و السلبيات التي يقوم بها المعلم من بداية الحصة إلى نهايتها. فيه أكثر من عشرين بند مطبوع تتم الإجابة عليها من قِبلِ من حضر المعاينة من الموجهين ، هكذا كان التعليم في السابق… ولا أحسبُ أن مولانا علي سعيد تكنه قد فعلها مع أيٍّ من زملائي في تلك الدفعة . وكان معي في تلك الدفعة من برام الأساتذة حماد آدم دوه ، علي فضل الله إدريس ، إسحاق محمد إسحاق (ابو زكش)، وهارون جمعة صلاح الدين. ومن نيالا الأخ محمد علي سعيد تكنة.. وغيرهم
لزم مولانا منزله في سنواته الأخيرة في نيالا ، وأخلص النصح والتوجيه للناس وعرض تجربته لكثيرٍ منهم خاصةً الشباب . وكان خيرُ مربي وناصح وموجه…. أدركه الموت في حضرة إبنه د. عارف بالرياض في المملكة العربية السعودية ، فَقُبِرَ فيها. وأُسدِّلَ بذلك ستارٌ واقٍ للامة ودِرعٌ منيعٌ كان يدفع عن عشيرته.. رحمه الله واسكنه جنته جنة النعيم .
2
وها هو رجلٌ آخر يحملُ في جيناتهِ الأدب — بالمعنى الأوسع — فهو مهذبٌ في طبعه وتعامله. وهو أديبٌ ينشد روائعَ الشعر ويختار جميلَ اللفظِ ، وهو ذو نظرةٍ ثاقبةٍ للأمور ، وذو حكمةٍ نتيجة للتجربة الثرة في حياته العملية هو الأستاذ والمربي والأديب حامد حسب الله — عليه رحمة الله — عملتُ معلماً في المدرسة الغربية ببرام مرتين ، المرة الأولى في العام 75م لمدة شهرٍ واحد فقط تحت إدارة الأستاذ الفاضل والمعلم القدير محمد الحسن عكير — عليه رحمة الله — والمرة الثانية في العام 80م لمدة عام ومديرُنا هو الأستاذ حامد حسب الله. فقد عرفته وعرفه زملائي المعلمون بهذه الصفات .. ويكفي أنه قد زامل الشاعر الكبير إدريس جماع في مدرسة واحدة ، وأظنُّها في بخت الرضا ، وذكر لنا كيف أنهم كانو ينتظرون الشاعر إدريس جماع في باب (المستراح ) ليجمعوا منه القصاصات الشعرية التي يكتبها وهو داخل الحمَّام لأكثر من ساعة .. وكانت تلك بداية مرض الشاعر . وقد كان يمزقُ الأوراق عندما يخرج من الحمَّام فيجمعها منه زملاؤه لحظة خروجه من الحمَّام .
كان الأستاذ حامد حسب الله يكتبُ الخطابات الرسمية في برام التي تُقال في الأعياد الوطنية وحكومة مايو .. وكانت أيضاً توكل كتابة هذه الخطابات للأخوين الفاضلين الأستاذ محمد سعد والأستاذ علي جابر .
كانت جلستُنا وقت الإفطار في المدرسة عبارة عن ندوة أدبية عمادها الاستاذان حامد حسب الله وجبريل الغالي حسب الله.. وكنا نستمتعُ بالسَّماع إليهما. والأستاذ حامد حسب الله رجلٌ ذو فكاهة وطرف وذو تعليقات ساخرة .
ارسلت إلينا يوماً امرأةٌ ذات شخصية اعتبارية.. ورقةً مكتوبة وممهورة بإسم وتوقيع أحد تلاميذنا بالصف السادس يعبر فيها عن عواطفه تجاهها وقد كتب إسمها. وهو يترصدها دوماً في الصباح عند ذهابها للعمل ، ولم يهدأ له بال حتى رمى بالورقة أمامها… أجتمع بنا المدير — كل معلمي المدرسة — وعرض علينا الورقة واستشارنا ماذا نفعل في الأمر . فكنا فرقتين . فرقة ترى أن هذا العمل مشين خاصةً في حق الشخصية الاعتبارية. ويجب أن يفصل التلميذ فوراً ليكون عظةً لغيره. وهي الفرقة الغالبة. ورأى الأقلية أن يُعاقب التلميذ ويُنذر بالفصل أمام والده إذا تكرر منه أي عمل مشابه خاصةً وأن العام الدراسي لم يتبقى منه سواء ثلاثة أشهر والاَّ يحرم التلميذ من مواصلة تعليمه… وكان الأستاذ حامد يسمع للرأيين ولم يتكلم… وأخيراً أفصح عن رأيٍّ ثالث… فاستدعى التلميذ أمامنا وسأله عن الورقة . وكان خطه واضحاً وكذلك توقيعه. فاعترف فوراً بما قام به . وعلَّل بأنهُ لم يكن يعرف لماذا فعل هذا !!! فأمره المدير أن يحضر والده في الغد وحينما حضر الوالد طلب المدير من معلمين، ثلاثة لحضور المشهد. وحكى للوالد تفاصيل الواقعة أمام التلميذ وسمع من التلميذ للمرة الثانية الإقرار، وعاقبه داخل مكتبه ولم يظهر هذا الأمر في الطابور أمام التلاميذ لكي لا يتأسى به الآخرون. وأوضح قراره لوالده بأن إبنه يجب أن يُفصل من المدرسة بفعله هذا ولكنه كتب خطاباً للاستاذ الجليل هارون البشاري مدير مدرسة ود هجام ذكر له الواقعة وطلب منه أن يبقيه في الداخلية حتى نهاية العام … وذكر ماجرى للتلميذ من عقوبات للشخصية الاعتبارية مع الإعتذار لها … وبذلك قد أرضى الفرقتين من المعلمين ، فصله من المدرسة ولم يحرمه مواصلة التعليم….
هكذا كان الأستاذ حامد حسب الله يحترم الصغير والكبير ويحفظ للناس مكانتهم وينفع الناس بتجربته في الحياة…
توفي عليه رحمة الله واسكنه جنته جنة النعيم …
3
وأنا أكتبُ عن هذا الرجل الفخم الشهم يملأوني الفخرُ والإعتزازُ في كلِّ دقيقهٍ قضيتها معه فهو رجلٌ كريمٌ، عَرفهُ الناس في كلِّ مكانٍ بهذه الصفه ... وهي الصفةُ التي تشبههُ تماماً. ذلك هو الأستاذ والمربي هارون البشاري - عليه رحمه الله _ إن رأيتَه من أول وهلةٍ هِبتهُ .. وإن تعاملت معه وجدته سمحا كريما مضيافاً ودوداً - كما يقول اهلنا ( تأكل وتقش في ثوبه).. لم أعمل معه معلماً في أيِّ مدرسة ، فقط كنت أجده في فترة الإجازات المدرسية إذ كان جُلُّ عمله خارج برام.... ولكنني عرفته بحق لمده ثلاث سنوات قضيتُها معه بالرياض بالمملكة العربية السعودية - حيث كان معلماً معاراً بها... وقد جمعتنا تلك الفترة بالإخوة محمد هارون فضل الله ، حسين بقادي فضالي ، الغالي علي الغالي ، محمد فضيل كابر ، من خارج الرياض الإخوة عبد الرحمن أحمد أبو كيف ، حامد آدم النمير ، و د. يوسف أحمد آدم وغيرهم.... فعشنا في تلك الفترة كما يعيش الأشقاء ، لا يفصلُ بيننا إلا العملُ والنوم .. كان الأستاذ هارون محباً للتجارة والتسوق في ( الحراج) و هو مكان الدلاله في السعودية ، فتجده دائماً يتجول في تلك الأماكن ليشتري الأشياء النادرة والأثرية... وكان لإنضباطهِِ وحزمهِ وهيئتهِ بالجلابية والعمة مدعاةً لمهابته من التلاميذ في المدرسة وإحترام المعلمين السعوديين وغيرهم له .. حتى النساء السعوديات عندما يعود من المدرسه مشياً إلى البيت يتغامزون خلف الأبواب ( هذاك الأستاذ السوداني الصعب) .
كان كريماً ينفق كلَّ ما عندهِ في سبيل إرضاء الآخر ، وكان منزله في أيِّ مدرسةٍ عمل بها خارج برام هو محطةٌ لأهل برام وغيرهم.. حتى أنَّ أقرانه كانوا يبجلونه ويطلقون عليه الألقاب التي تحمل معنى هذه الصفه وغيرها من الصفات الفاضلة .. والكرمُ كما هو معلومٌ يحمل في عُرِصاته كلَّ صفات الخير ... فمن صفات الأستاذ الفاضل الصبر ، كان صبوراً حينما تحلُّ به النوازل - ففي فقده لإبنه جمال والذي كان يحبه كثيرا كان صابراً محتسباً وكذلك حينما حلَّ به المرضُ في سنواته الأخيرة تجده مطمئناً لقضاء الله وقدره لا يشتكي ولا يتذمر.. بل يحمد ربه دائماً ...
ذكر لي مرةً قصة حدثت له في السبعينات تقريباً من القرن الماضي - أسأل الله أن يكون من الصالحين خرج ضمن مجموعة للصيد خارج الحدود .. وكانوا مدججين بالسلاح والركب والزاد وبعد مرور ايام خارج الحدود في بلادٍ بعيدة ، تأخر عن الركب وفقد الرفقة حيث الأمطار والخيران الصغيرة ، فبحث عنهم ولم يجدهم وحسب نظامهم في مثل هذه الحالة .. يبقى الضائعُ في مكانه ولا يتزحزح يمنةً ولا يسره .. توقف عند شجرةٍ متوسطة الحجم تحتها بركةُ ماء وعشب... فقيَّد حصانه بالقرب من الشجرة وأنزل متاعه وفرش مصلاته وكان الشهر رمضان وهو في صيام وبدأ يصلي ، والمكان حوله جميلٌ والهواءُ عليلٌ والسحبُ خفيفةٌ في الأفق ولكنها تحجب الشمس .. والمكان خالٍ تماماً من الهوامِ والطير والصمتُ مُطبِقٌ مخيف ظلَّ الحال حتى حان وقت صلاة العصر .. ولا زادَ معه فالزادُ مع المجموعة . وهو بهذهِ الحالة إذ حلت قمريتان في الشجرة وأخذ سلاحه وصوَّبَ تجاههما.. فأصاب واحدة وأخطأ الثانية فطارت .. فحَمدَ اللّه على ذلك وأخذ القمرية وكانت كبيرة الحجم وخزانتُها مليئةٌ بالعيش الدُّخن . فنتفَ ريشها وقطَّع أوصالها وأوقد النار وطبخها مع العيش في الحلة حتى نضجت ففطر منها حتى شبع وما تبقى منها تسحَّر به ... وبات ليلته وجلس نهاره وفي العصر وفي نفس التوقيت جاءت القمرية الثانية وحلت بالشجرة فاصطادها وفعل بها كما فعل بأختها ... وبات الليلة الثانية وفي الصباح حضرت رفقته تبحث عنه فوجدته سالما وهكذا أكرمه من جنس عمله من هو أكرم منه ...
وقد سكنتُ معه في غرفته بالرياض في أيامي الأولى شهراً كاملاً في عام 1983م ، فوجدته رجلاً ذاكراً يقيم الليل بالصلاة والذكر... وفي ليلةٍ قُبيل صلاة الفجر ذكر لي أنه في الحلم طُلب منه قراءة الآيه 23 من سورة الحديد ، فبحثنا عنها فوراً في المصحف وقراناه ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) فحمد الله ، وقال لي فهمت ولم يفصح... هكذا كان هذا الرجل مليئاً بالإيمان زاهداً في الدنيا شيعناه في مقابر الشيخ يوسف بالصالحة ... له الرحمة والعفو من الله سبحانه وتعالى وأنزله جنته جنة النعيم .
4
وهذا هو الأستاذ الفاضل إبراهيم أحمد عبد الواحد _ الرجل الأمه _ الذي يعلِّم الناس الخير _ عشت معه في الحجيرات عاماً لا ثالث معنا من المعلمين في المدرسة عام 1979 م ؛ علمني الكثير قبل أن يعلم الصغار ؛ كان له النصيبٌ في كلِّ صفةٍ فاضلة ، في الكرم ، والمروءة والشجاعة والإقدام والزهد ، كان مفتاحُ شخصيته ( حبُّه للناس). لا يعرف اليأس سبيلا إلى قلبه. جلُّ همه أن يضيف شيئاً نافعاً لمن حوله _ علَّم الكبار قبل أن يعلِّم الصغار _ نوَّر الحجيرات بعلمه ونصحه للناس ودفعهم دفعاً لعمل الخير الجماعي _ فبنى المدرسة وأسس لمسجدٍ وقد ساعده الأخ الفاضل المرحوم سليمان عبد الله اسحق في ذلك بأن أسس خلوة لتعليم الصغار والكبار..... كان إبراهيم مازحاً معهم ولكنه جادٌ فيما يقوله ويفعله ، حضَّ الأعمام أصحاب المال وغيرهم باسلوبه المستحسن لبذل مما عندهم للبناء... أمثال الأعمام جمعة شِلِّيف و أحمد جلَّاب ، والتَّام جمل ... وكان خفير المدرسة العم شويشه جفون يزوده بالمعلومات التي أستفاد منها في حضِّ الناس .... وكان التلاميذ مجتهدين ومتعاونين منهم الأخ العزيز والمحاسب القدير عثمان سعد.... كانت الظروف أحياناً صعبة وكان البردُ قارساً وقد حذَّر الناس من أربعٍ : باعوضه كندي ، وعطش بقاقه ، وجوع الردوم ، وبرد الحجيرات... وكانت القرودُ الكبيرة ( الشمبانزي) تملأ الشجر في شواطئ البحر (بحر العرب) فهي لا تثقُ في الرجال ولا تحبُ التعامل معهم... وذكَّرني ذلك أبياتاً كنا نقراها ونحن صغار
قالتِ الهرةُ قولاً بليغاً فَاقَ كلَّ المعاني
أشتهي أن لا أرى القردَ ولا القردُ يراني
وجدنا يوما في الصباح أثراً للأسد وهو يجوب داخل سور المدرسة الواسع . والشباب والرجال معظمهم يغادرون المنطقة في الصيف لصيد الفيل... وتكون القرية خاليةً من الرجال إلاَّ كبار السن .... وقد مررنا بتجربة دفن رجل توفي ولم نجد من يساعدنا على ذلك سوى التلاميذ (أولى وثانية) وكذلك النساء فكن يجمعنا الحطب من الأشجار لتكون عضداً في القبر... وكان إبراهيم يذهب لمنزل المتوفي ويحضُ كبار السن على تجهيزه وتكفينه ثم يعود ... وأكملنا القبر ولم نجد بُداً من أن تساعدنا النساء في حمل الجثمان وكذلك التلاميذ، ووجدنا صعوبة في إنزاله في القبر وقد صلى عليه إبراهيم ... وبحمد الله تمكنا من دفنه في عملية إستغرقت 5 ساعات.
ولا يفوتني أن أذكر الأجواء السياسية العالمية في تلك الأيام فقد كانت ثورة إيران في أوجها وكانت إذاعه مونت كارلو تُلهبُ المشاعر بأخبارها الساخنة وموسيقاها التي تصاحب الأخبار.. فهي تزيع : آيه الله خميني في مقر إقامته في فرنسا وهو يتهيأ للسفر إلى إيران… ثم آيه الله خميني في طريقه الى (قم ) بإيران
…. ثم الشاهنشاه محمد رضا بهلوي يحلق في سماء طهران للنظرة الأخيرة وهو في طريقه إلى ملجئه بالقاهرة وهكذا من أخبار تُدقدقُ إبراهيم وتثير مشاعره فينفعل معها ويزداد هِمةً ونشاطاً .
وهكذا حاله دائماً في خدمة الناس وقد علمت فيما بعد حينما استقر به المقام في حي النصر ببحري كان يقوم بنفس الأدوار حتى أحبَّه أهل المنطقة وكانوا يشاركونه في لجانهم في المسجد والحي… وكان يدخل في تفاصيل حياتهم يصلح بين الناس وبين المرء وزوجه .. حتى أصبح علماً في الحي .. ذكر أحدُهُم يوم وفاته بأنه كان صغيراً حضر تقريبا في السنطة قبل قبوله بالمتوسطة ببرام … حضر بالعربة القادمة الى برام ولم يكن يعرف أحد … فحينما غادر الناس الموقف بقي وحيدا لا يعرف حتى جهة المدرسة المتوسطة والوقت بين المغرب والعشاء … فجاءه الفرجُ بحضور الأستاذ عبد الواحد فجأه وساله وعرف منه وجهته .. فقال له المدرسة بعيدة والدنيا ليل أذهب معي إلى البيت وفي الصباح تذهب بإذن الله إلى المدرسة.. وفي الصباح طلب منه أن يترك شنطته ويذهب إلى المدرسة ليتأكد من قبوله فيها.. وعندما عاد ليحمل متاعه طلب منه أن يكمل هذا الأسبوع معه بالمنزل وهكذا بأسلوب إبراهيم وكرمه بقى التلميذ معه ثلاث سنوات في المنزل حتى تخرج من المتوسطة …
أما أنا فقد كنتُ اناقشه في بعض المسائل الدينية، وكان في كلِّ مرةٍ لأقل شيءٍ معلوم لي وله يطلب مني الدليل من الكتاب والسنة.. وهذا الأمر كان يغيظني وبطبعنا كسودانين لا يهتم معظمنا بأمر الدليل وهكذا نتكلم في أمور الدين .
ولكني بعد مرور الوقت تأكد لي أنه كان يعلمني ألاَّ أتحدثُ في شيءٍ إلاَّ بالدليل خاصة المسائل الدينية منها …
ومن باب الطرفة وبعد مرور أكثر من 20 سنة قابلته وذكرت له أن فلاناً يقرئك السلام ويسأل عنك فقال لي ما الدليل عندك ..؟ فضحكنا..
هكذا رحل من دنيانا ووُّرى بمقابر النصر وهو يتمنى للجميع دائماً التوفيق في الدارين رحمه الله وأنزله جنته جنة النعيم ولم يلبث إلاَّ قليلا حتى لحقت به زوجته كلثوم إبراهيم عليها الرحمة وأسكنها الله فسيح جناته فقد كانت إمرأةً فاضلةً…
وبعد الإطلاع على هذا المقال أطلب من الإخوة والأخوات التضرُّع إلى الله سبحانه وتعالى خاصةً ونحن في هذا الشهر الكريم وأيام العتق من النار بأن يغفر الله لهم ويرحمهم ويسامحهم ويعتق من النار كلَّ من ورد ذكرُ إسمه وقد فارقنا إلى الدار الآخرة وأن يجعل جنة النعيم مثواهم … هكذا كانت برام زماااااااان
والسلام ““
أخوكم محمد بقادي فضالي
كوستي
25رمضان الموافق 14/3/2026
هاتف . 0114231883
0126954329
واتساب . 0993426800
https://almajdnews.com/archives/21831
