بقلم/ عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن
في ذكرى رحيل المفكر والسياسي السوداني د . حسن عبدالله الترابي، لا أستحضر فقط سيرة رجلٍ ملأ الساحة الفكرية والسياسية جدلًا وتأثيرًا، بل أستحضر أيضًا لحظة إنسانية خاصة، كانت بالنسبة لي نقطة تحول في نظرتي للحياة.
كانت تلك الأيام في العام 2010، عقب الانتخابات مباشرة. كنت قد قدمت من نيالا إلى الخرطوم، أحمل في داخلي كثيرًا من الأسئلة والقلق. كنت أشعر بشيء من التيه، كحال كثير من الشباب الذين يبحثون عن معنى لطريقهم في الحياة.
وفي أحد الأيام، صليت صلاة العصر في مسجد سيدة سنهوري. خرجت بعد الصلاة أمشي بلا خطة محددة، فقط أسير في الطريق متجهًا نحو الشرق. كانت خطواتي عادية، لكنها قادتني إلى لحظة غير عادية في حياتي.
فجأة وجدت نفسي أمام منزل الدكتور حسن الترابي.
وقفت قليلًا، ثم قلت في نفسي: ما الذي يمنعني من الدخول؟ لم يكن بيني وبينه موعد مسبق، ولم أكن أعرفه معرفة شخصية. لكن شيئًا في داخلي دفعني إلى طرق الباب.
دخلت… ولحسن حظي وجدته أمامي مباشرة.
استقبلني بترحابٍ كبير، وكأنني شخص يعرفه منذ زمن. عرّفته بنفسي، فأجابني بكلمات ما زالت ترن في أذني حتى اليوم، قال لي بالحرف الواحد:
“مرحبًا بك في أي زمان.”
كانت عبارة بسيطة، لكنها تركت في نفسي أثرًا عميقًا. شعرت وقتها بكرمٍ إنساني حقيقي، وبروحٍ متواضعة نادرة لدى كثير من القادة.
جلست معه، وبدأت أتحدث… تحدثت كثيرًا، ربما أكثر مما ينبغي. كنت أفرغ ما في صدري من أفكار وتساؤلات وهموم. والمثير للإعجاب أنه ظل يستمع إليّ لأكثر من ساعة كاملة دون أن يقاطعني. كان يصغي باهتمام، وكأن حديثي – رغم بساطته – يستحق أن يُسمع.
وحين انتهيت من الكلام، لم يكثر من الوعظ أو الإرشاد، بل طبطب عليّ وقال كلمات قليلة، لكنها كانت عميقة. كلمات أعادت ترتيب أفكاري، وفتحت أمامي أفقًا مختلفًا للنظر إلى الحياة وإلى مستقبلي.
خرجت من بيته يومها وأنا أشعر أن شيئًا في داخلي قد تغير.
ومنذ ذلك الوقت، ظللت أنظر إليه بعين مختلفة؛ لا باعتباره فقط مفكرًا وسياسيًا كبيرًا، بل باعتباره إنسانًا واسع الصدر، يعرف كيف يستمع، وكيف يمنح الآخرين مساحة للحديث.
وقد كان بحق نعم الجد؛ فقد كنا نزوره في بعض أيام الجمع، فنجد منه ذات الروح المرحبة وذات الحفاوة التي لقيناها في ذلك اللقاء الأول.
قد يختلف الناس كثيرًا حول تجربة الدكتور حسن الترابي السياسية، وقد تتباين الآراء حول أفكاره واجتهاداته، لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها أنه كان واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ السودان الحديث؛ رجل فكرٍ وحوارٍ واجتهاد، ترك بصمة لا يمكن تجاوزها في الحياة السياسية والفكرية في البلاد.
أما أنا، فسأظل أذكر تلك المصادفة التي لم تكن مصادفة في نظري؛ يوم خرجت من مسجد سيدة سنهوري بعد صلاة العصر، أمشي بلا خطة… فإذا بي أجد نفسي أمام باب رجلٍ فتح لي بابه وقلبه، وترك في حياتي أثرًا لن أنساه.
رحم الله الدكتور حسن عبدالله الترابي، وغفر له، وجزاه عن علمه واجتهاده ما يستحق من رحمة الله ومغفرته.
فالرجال الكبار لا يُخلَّدون فقط بما كتبوا أو قالوا، بل أيضًا بما تركوه من أثرٍ في قلوب من التقوا بهم.
