اعداد /د.نفيسة ابراهيم الامير
الأستاذة محاسن إدريس الهادي باحثة في مجال التأصيل والإعجاز العلمي.
في شهر رمضان تتجدد مساحات التأمل في النفس والكون، ويزداد البحث عن المعنى العميق للعلم والإيمان. في حكايات رمضانية تتحدث الأستاذة محاسن إدريس الهادي عن نشأتها ومسيرتها العلمية، وكيف وجدت في الربط بين العلوم الحديثة والتأصيل القرآني مساحة واسعة للتفكر والمعرفة.
نشأتكِ ومسيرتكِ العلمية، و اختياركِ لمجال التأصيل والإعجاز العلمي؟
نشأتُ في بيئة تقدّر العلم وتربط بينه وبين القيم الإيمانية، وكان للقرآن الكريم حضور دائم في حياتنا الأسرية. منذ الصغر كنت أميل إلى طرح الأسئلة والتأمل في الظواهر من حولي. ومع تقدمي في الدراسة واختياري لمسار العلوم، بدأت ألاحظ أن كثيراً من الحقائق العلمية التي ندرسها تقودنا بشكل غير مباشر إلى التأمل في دقة الخلق وإحكام النظام في الكون.
هذا الإدراك المبكر جعلني أميل إلى البحث في مجال التأصيل العلمي، ليس فقط لإثبات الإعجاز، بل لفهم العلاقة العميقة بين النص القرآني والسنن الكونية التي يكتشفها العلم يوماً بعد يوم.
الجمع بين تخصص العلوم والاهتمام بالتأصيل والإعجاز العلمي؟
في الحقيقة لا أرى بينهما تعارضاً، بل أرى تكاملاً واضحاً. فالعلم يدرس قوانين الكون، والقرآن يدعو الإنسان للتفكر في هذه القوانين. المنهج الذي اتبعته يقوم على أمرين: احترام النص القرآني وفهمه في سياقه الصحيح، والالتزام بالحقائق العلمية الثابتة بعيداً عن التفسيرات المتعجلة. عندما نلتزم بهذا المنهج يصبح الربط بين العلم والقرآن مجالاً ثرياً للتفكير، وليس مجرد محاولة لإثبات سبق علمي.
ماذا يعني لكِ شهر رمضان على المستوى الروحي والفكري؟
رمضان بالنسبة لي ليس مجرد موسم عبادة، بل هو مساحة عميقة للمراجعة الفكرية والروحية. الصيام يمنح الإنسان حالة من الصفاء الذهني، ويجعله أكثر قدرة على التأمل والتدبر. كثير من الأفكار البحثية أو لحظات التأمل العلمي جاءتني في أجواء هادئة من ليالي رمضان، حيث يشعر الإنسان بقرب أكبر من المعنى الكوني للحياة، ويعيد النظر في العلاقة بين الإنسان والكون والخالق.
اعطينا مثالاً بسيطاً من مظاهر الإعجاز في خلق الإنسان أو الكون؟
من الأمثلة التي تستوقفني دائماً دقة التوازن في جسم الإنسان. فالجسم يعمل وفق منظومة معقدة من العمليات الحيوية الدقيقة التي تحافظ على استقراره في مختلف الظروف. وفي رمضان، أثناء الصيام، يحدث تحول مذهل في طريقة استهلاك الجسم للطاقة وتنظيم العمليات الحيوية داخله، بما يحقق نوعاً من التوازن وإعادة الضبط. هذه الدقة المدهشة في إدارة الجسم لنفسه تفتح باباً واسعاً للتأمل في عظمة الخلق وإحكامه.
رسالة للشباب في هذا الشهر المبارك؟
رسالتي للشباب أن يجعلوا من رمضان فرصة للتفكير العميق وليس فقط للعبادة الشكلية. العلم ليس بعيداً عن الإيمان، بل هو طريق من طرق معرفة الله.
اقرؤوا القرآن بعقل متدبر، وانظروا إلى الكون بعين الباحث. اجعلوا من المعرفة جسراً للتأمل، ومن التأمل دافعاً للإبداع العلمي. فالأمة التي تجمع بين الإيمان والعلم هي الأمة القادرة على بناء مستقبلها بثقة ووعي.
