السبت, مارس 7, 2026
الرئيسيةمقالاتحين يختلط القول بالفعل وبشكك بالدين… هل أخطأ شيخ الأمين أم زلّ...

حين يختلط القول بالفعل وبشكك بالدين… هل أخطأ شيخ الأمين أم زلّ لسانه أمام الناس؟

مسارب الضي | د. محمد تبيدي
www.masaribaldai.com

وعلى حد قولي:
إذا تاهت الأقوال عن درب الهدى
وأصبح بعض القول يكسوه الغبار
فميز كلام الناس بالعقل والنهى
فدين الإله أجلّ من كل شعار

في كل زمان تظهر قضايا تثير الجدل، وتتباين حولها الآراء بين مؤيد ومعارض، لكن أخطر تلك القضايا هي التي تمس الدين أو تُفهم على أنها تتناول ثوابته. لأن الدين عند الناس ليس مجرد رأي عابر أو فكرة قابلة للمساومة، بل هو عقيدة راسخة تشكل وجدان الأمة ووعيها.
أثار حديث سابق لشيخ الأمين في لقاء تلفزيوني عاصفة من الجدل، بعد أن قال إنه فتش في كتب الحديث ولم يجد حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم دعي فيه علي اليهود. هذه العبارة البسيطة في ظاهرها تحولت إلى موضوع نقاش واسع في المجالس والوسائط الاجتماعية، بل ودفعت كثيرين إلى إعادة النظر في مواقفهم من الرجل، خاصة من كانوا يرون فيه داعية أو صاحب خطاب ديني مؤثر.
القضية هنا لا تتعلق بمجرد اختلاف في الرأي، بل تتعلق بطرح علمي يحتاج إلى تدقيق شديد، لأن الحديث عن السنة النبوية ليس أمراً هيّناً. فالسنة النبوية علم له رجاله وأصوله ومناهجه، وأي حديث عنها يجب أن يكون مبنياً على معرفة راسخة بمصادرها ومراجعها.
ومن المعروف في كتب الحديث أن هناك نصوصاً وردت فيها مواقف للنبي صلى الله عليه وسلم تتعلق ببعض أفعال اليهود في عهده، وهي مواقف جاءت في سياق تاريخي محدد ارتبط بأحداث ومعاهدات وخيانات وقعت في المدينة المنورة.
ففي صحيح السنة ورد حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وهذا الحديث أورده أهل العلم في سياق النهي عن الغلو في القبور واتخاذها مواضع للعبادة، ولم يكن حديثاً عن عموم الناس بقدر ما كان تحذيراً من سلوك ديني منحرف.
كما ورد في حديث آخر عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها. وهذا الحديث أيضاً جاء في سياق بيان التحايل على أحكام الله، وهو أمر ذمه الإسلام في كل الأمم وليس في أمة بعينها.
إذن فالنصوص موجودة في كتب الحديث، ومعروفة عند أهل العلم، لكنها تُفهم في سياقها التاريخي والتشريعي، وليس باعتبارها دعوة للكراهية أو العداء الديني. وهنا تكمن أهمية الفهم الصحيح للنصوص، لأن اقتطاعها من سياقها قد يؤدي إلى نتائج خاطئة.
غير أن ما أثار الاستغراب في حديث شيخ الأمين ليس مجرد الرأي الذي قاله، بل الطريقة التي صيغ بها القول، وكأنه حكم قاطع على كل كتب الحديث. وهذا ما جعل كثيرين يتساءلون: هل كان الرجل يقصد معنى آخر لم يُفهم جيداً؟
أم أن العبارة جاءت دون تدقيق علمي؟
الإنصاف يقتضي أن يُقال إن الخطأ في التصريح لا يعني بالضرورة الطعن في عقيدة الشخص أو إخراجه من الإسلام، لأن مسائل التكفير في الإسلام لها ضوابط صارمة لا يملكها الأفراد ولا تُطلق فيها الأحكام جزافاً. لكن في الوقت نفسه فإن الخطاب الديني مسؤولية عظيمة، والكلمة التي تُقال أمام الناس قد تُفهم بطرق متعددة.
ولذلك فإن العلماء عبر التاريخ كانوا شديدي الحذر في الحديث عن النصوص الشرعية، لأن الكلمة قد تُفسر تفسيراً خاطئاً فيثير ذلك بلبلة بين الناس. وقد قال الأئمة إن من تصدر للحديث في الدين بغير علم فقد عرّض نفسه للخطأ وأضل غيره.
السؤال الحقيقي الذي يطرحه الناس اليوم ليس فقط حول صحة العبارة التي قالها شيخ الأمين، بل حول طبيعة الخطاب الديني في هذا العصر. فهل أصبح بعض الدعاة يميلون إلى إطلاق العبارات المثيرة للجدل من أجل الظهور الإعلامي؟
أم أن بعض التصريحات تُقتطع من سياقها وتُقدَّم للناس بطريقة مختلفة؟
في زمن الإعلام المفتوح أصبحت الكلمة تنتشر في لحظات، ويصبح كل تصريح قابلاً للتأويل والنقاش وربما الهجوم. ولذلك فإن المسؤولية مضاعفة على كل من يتحدث في الشأن الديني، لأن الجمهور يتعامل مع كلامه على أنه يمثل الدين نفسه.
من جهة أخرى يجب أن نفرق بين النقد العلمي المشروع وبين الاتهامات الشخصية. فالنقد العلمي يقوم على بيان الخطأ وتصحيحه بالحجة والدليل.
التاريخ الإسلامي مليء بالخلافات العلمية بين العلماء، لكن تلك الخلافات لم تكن تتحول إلى حملات تخوين أو تكفير، بل كانت تدور في إطار العلم والمناظرة. وقد اختلف كبار الأئمة في مسائل عديدة، ومع ذلك ظل الاحترام قائماً بينهم.
إن ما يحتاجه المجتمع اليوم هو خطاب ديني متزن يجمع بين العلم والحكمة، ويبتعد عن الإثارة والجدل العقيم. لأن الدين في جوهره رسالة هداية وبناء، وليس ساحة للصراعات الإعلامية.
وقد يكون من الحكمة في مثل هذه القضايا أن يخرج صاحب التصريح نفسه ليشرح مقصده بوضوح، لأن كثيراً من الإشكالات تزول عندما يوضح المتحدث ما كان يقصده فعلاً. فكثير من العبارات حين تُقتطع من سياقها قد تبدو مختلفة عما أراده صاحبها.
في النهاية تبقى الحقيقة الكبرى أن الدين أكبر من الأشخاص، وأن النصوص الشرعية محفوظة في كتبها ومصادرها، وأن الأمة عبر تاريخها الطويل واجهت جدالات كثيرة لكنها بقيت متمسكة بمرجعيتها العلمية.
إن الاختلاف في الفهم قد يحدث، لكن الواجب هو أن يكون النقاش قائماً على العلم والهدوء والإنصاف، لأن الغضب وحده لا يصنع معرفة، والاتهامات لا تبني وعياً.
وفي خضم هذا الجدل يبقى السؤال مفتوحاً أمام أهل العلم
كيف يمكن حماية الخطاب الديني من التسرع والالتباس؟
وكيف يمكن تقديم السنة النبوية للناس بصورة صحيحة بعيدة عن سوء الفهم أو الاستغلال؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي مسؤولية العلماء والمؤسسات الدينية والإعلام معاً، لأن الحفاظ على نقاء الخطاب الديني ليس مهمة فرد، بل واجب جماعي على الأمة كلها.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات