سعدت ُسعادة بالغة وأنا أطالع قرار الإنتربول في حق عبد الرحيم دقلو وآخرين ، إذ لم يكن إصدار النشرة الحمراء بحق عبد الرحيم دقلو وآخرين حدثاً إجرائياً في سجلات الشرطة الدولية فحسب ، بل هو تطور بالغ الأهمية يحمل دلالات قانونية وسياسية وأخلاقية عميقة. فحين تُدرج الأسماء في قوائم الملاحقة الدولية، فإن الأمر يتجاوز حدود الاتهام المحلي ليصبح إعلاناً عالمياً بأن هؤلاء الأشخاص مطلوبون للعدالة، وأن الجرائم المنسوبة إليهم لم تعد قضايا داخلية يمكن إخفاؤها أو الالتفاف عليها.
النشرة الحمراء ليست تعميماً يبحث عن مطلوب، إنما هي إحدى أقوى أدوات الملاحقة الجنائية الدولية. وبمجرد صدورها يتحول الشخص المعني إلى مطارد عبر حدود الدول، وتصبح تحركاته محاطة بقيود قانونية صارمة، وتغدو كل دولة في العالم مطالبة ـ وفق آليات التعاون الشرطي والقضائي الدولي ـ بالتعامل معه باعتباره مطلوباً للعدالة.
إن إدراج اسم عبد الرحيم دقلو ضمن هذه النشرة يمثل نقطة تحول في مسار المساءلة عن الجرائم التي ارتُكبت بحق الشعب السوداني خلال سنوات الحرب القاسية. فهذه الخطوة تعني، في جوهرها، أن ملف الانتهاكات لم يعد مجرد روايات يرويها الضحايا أو تقارير تتداولها وسائل الإعلام، بل أصبحت قضايا موثقة في منظومة العدالة الدولية.
لقد عاش السودان خلال هذه الحرب واحدة من أكثر المراحل إيلاماً في تاريخه الحديث؛ مدن أُنهكت بالدمار، وأحياء تحولت إلى ساحات قتال، وقرى أُحرقت، وملايين المدنيين وجدوا أنفسهم فجأة خارج بيوتهم، يطاردهم الخوف والجوع والتشرد. وفي خضم هذه المأساة الممتدة ظل سؤال العدالة يطرق ضمير الضحايا: هل يمكن أن يُحاسب من تسببوا في هذا الخراب؟
اليوم تأتي النشرة الحمراء لتبعث برسالة مختلفة: أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالنسيان، وأن العالم قد يتأخر أحياناً في فتح ملفات العدالة، لكنه لا يغلقها إلى الأبد. فحين تضع العدالة الدولية اسم شخص على قائمة الملاحقة، فإنها في الواقع تضع مستقبله كله تحت ظلال المساءلة.
الأثر العملي لهذا القرار لا يقف عند حدود الرمز السياسي أو الإدانة المعنوية. فالنشرة الحمراء تعني عملياً تضييق الخناق على المطلوبين؛ إذ تصبح إمكانية سفرهم أو تنقلهم بين الدول محفوفة بالمخاطر، وتتحول حياتهم إلى دائرة من التخفي والملاحقة. كما أن المؤسسات المالية الدولية تتعامل بحذر شديد مع الأشخاص المدرجين ضمن هذه القوائم، ما يفتح الباب أمام ملاحقات مالية وتجميد للأصول وتتبع لمصادر التمويل.
والأهم من ذلك أن هذه الخطوة تحمل رسالة حازمة إلى كل من يفكر في توفير المأوى أو الدعم أو الحماية للمطلوبين دولياً، إذ إن الأنظمة واللوائح المنظمة للتعاون الشرطي الدولي تجعل من إيواء المطلوبين أو تسهيل تحركاتهم فعلاً قد يضع أصحابه تحت طائلة المساءلة القانونية مثلاً بمثل .
أما سياسياً، يمثل هذا التطور ضربة قوية لروايات الإفلات من العقاب التي طالما احتمى بها قادة المليشيات والجماعات المسلحة. فحين تصبح الأسماء مطلوبة دولياً، فإنها تتحول من أطراف في نزاع داخلي إلى متهمين في ملفات جنائية ذات بعد عالمي، وهو ما يضعف قدرتهم على الحركة السياسية أو بناء أي شرعية في المستقبل.
أما على المستوى المعنوي، فإن النشرة الحمراء تمثل لحظة اعتراف دولي بمعاناة السودانيين. إنها رسالة تقول إن العالم بدأ يسمع صوت الضحايا، وأن الدماء التي سالت والبيوت التي دمرت والآلام التي عاشها الملايين ليست مجرد أرقام في تقارير الأخبار، بل قضايا إنسانية تستحق العدالة.
ولذلك فإن هذه الخطوة، رغم أنها ليست نهاية الطريق، تمثل بداية مرحلة جديدة في مسار المحاسبة. وهي مرحلة تنتقل فيها القضية من ساحة الصراع المسلح إلى فضاء العدالة الدولية، حيث تتراكم الأدلة وتتشكل ملفات الاتهام وتضيق المساحات أمام الهروب من العقاب.
وما بين ألم الماضي وأمل المستقبل، يبقى اليقين قائماً بأن الشعوب قد تُهزم في معركة، لكنها تنتصر في النهاية حين يصبح الحق قضيةً لا يمكن للعالم أن يتجاهلها، وحين تتحول دماء الأبرياء إلى شاهدٍ دائم يلاحق الجناة أينما ذهبوا، ويذكّرهم بأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت.
