الخميس, مارس 5, 2026
الرئيسيةمقالاتحرب الخليج الراهنة وإعادة تشكيل المخاطر الإقليمية: أين يقف السودان؟

حرب الخليج الراهنة وإعادة تشكيل المخاطر الإقليمية: أين يقف السودان؟


د. نفيسة إبراهيم الأمير
لا تُقاس الحروب الحديثة بمدى اتساع رقعتها الجغرافية فقط، بل بقدرتها على إعادة تشكيل منظومة المخاطر في الإقليم بأكمله. فالتصعيد في الخليج العربي لا يظل حدثًا عسكريًا معزولًا، بل يتحول إلى عملية إعادة تسعير شاملة للمخاطر السياسية والاقتصادية، تمتد آثارها إلى الدول الأكثر هشاشة في محيطه الاستراتيجي. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، وارتباطه المالي بدول الخليج، وهشاشة بنيته الاقتصادية، يقف في قلب هذه المعادلة وإن لم يكن طرفًا مباشرًا في الصراع.
هل سيتأثر السودان؟ و إلى أي مدى يملك أدوات امتصاص الصدمة؟
أولًا: التموضع السياسي في بيئة استقطاب حاد
أي تصعيد بين إيران والمملكة العربية السعودية والإمارات يعيد رسم خرائط التوازن في المنطقة، ويفرض على الدول المتوسطة والهشة إعادة حساباتها بدقة.
السودان يرتبط بعلاقات سياسية واقتصادية مع هذه الأطراف، ما يجعل مسألة “الحياد” أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان سياسي. فحين يتقاطع التموضع الدبلوماسي مع الاحتياجات الاقتصادية، يصبح القرار الخارجي محكومًا بهوامش مالية لا سياسية فقط. في بيئة إقليمية مضطربة، تزداد تكلفة الخطأ في الحسابات.
ثانيًا: صدمات الطاقة وانعكاسها الداخلي
تاريخيًا، ارتبطت الحروب في الخليج بتقلبات حادة في أسواق الطاقة. وبالنسبة لاقتصاد يعتمد جزئيًا على استيراد الوقود ويعاني من ضعف في الاحتياطيات النقدية، فإن أي ارتفاع في الأسعار ينعكس مباشرة على:
• تكلفة النقل
• أسعار السلع الأساسية
• معدلات التضخم
المواطن لا يتابع نشرات الأخبار من باب الفضول السياسي، بل يرى نتائجها في سعر الخبز والمواصلات. وفي اقتصاد يعاني أصلًا من تآكل قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم، فإن أي صدمة إضافية قد تدفع بالأسعار إلى مستويات أكثر خطورة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح: أين خطة الطوارئ الاقتصادية لمواجهة صدمة أسعار النفط؟
ثالثًا: تحويلات المغتربين كعنصر استقرار هش
يشكل السودانيون العاملون في الخليج أحد أهم مصادر النقد الأجنبي. هذه التحويلات تمثل عنصر توازن في ميزان المدفوعات، لكنها تظل عرضة لتقلبات أسواق العمل الخليجية. وفي حال تباطؤ اقتصادي نتيجة الحرب أو إعادة توجيه الإنفاق نحو الأولويات الدفاعية، فإن انخفاض التحويلات قد يضيف ضغطًا جديدًا على سعر الصرف والسيولة الأجنبية. هنا يتجلى أحد أوجه الانكشاف البنيوي للاقتصاد السوداني.
رابعًا: البحر الأحمر كعامل جيو-اقتصادي
السودان ليس مراقبًا من بعيد بل هو جزء من معادلة البحر الأحمر، أحد أهم ممرات التجارة العالمية. أي اضطراب في الملاحة أو ارتفاع في تكاليف التأمين البحري ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد في دولة تعتمد على الخارج في الغذاء والدواء والطاقة. أمن البحر الأحمر ليس ملفًا عسكريًا فحسب، بل مسألة استقرار اقتصادي يومي.
خامسًا: الذهب بين الفرصة والمخاطرة
في أوقات التوتر الجيوسياسي، يميل المستثمرون إلى الذهب كملاذ آمن. والسودان من كبار المنتجين إقليميًا، ما قد يتيح فرصة لتعزيز العائدات.
غير أن السؤال الحاسم يظل: هل تدخل هذه العائدات في القنوات الرسمية لدعم الاستقرار النقدي؟
الإدارة المؤسسية للموارد هي الفارق بين تحويل الأزمات إلى فرص، أو تحويلها إلى مضاعف للمخاطر.
فحرب الخليج ليست حدثًا بعيدًا عن الخرطوم. إنها لحظة اختبار لقدرة السودان على إدارة المخاطر الخارجية ضمن بيئة داخلية معقدة.
الدول القوية تمتص الصدمات. أما الدول الهشة فتتضخم فيها آثارها.
في هذا السياق، يصبح الأمن القومي الاقتصادي ليس شعارًا نظريًا، بل شرطًا للاستقرار السياسي والاجتماعي. والتحدي أمام السودان لا يكمن في تجنب التأثر، بل في بناء أدوات مؤسسية قادرة على تقليل الانكشاف وتعزيز القدرة على الصمود.
د. نفيسة إبراهيم الأمير

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات