بقلم: أمين أحمد ودالريف
ليس لأن السودان أعلن عن احتياطيات كبيرة من الذهب، يصبح المشهد تلقائيًا أكثر طمأنينة. وليس لأن الإنتاج الرسمي يقترب من أرقام قياسية، يعني أن الدولة هي الرابح الأكبر. في زمن الحرب، قد يكون الذهب بالضبط هو الشيء الذي يمنع الحرب من أن تنتهي، لأنه يحوّل الصراع من معركة مواقع إلى معركة سيولة. ولهذا، فإن إعلان الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية عن قفزة نوعية في تقدير الاحتياطي—بمنطق “المؤكد وشبه المؤكد”—لا يُقرأ كبيان فني فقط، بل كرسالة سياسية-اقتصادية متعددة الاتجاهات، في لحظة تتغير فيها السوق العالمية بسرعة.
على مستوى الفرص، هناك نافذة واضحة أمام الإنتاج الرسمي، لكنها ليست تلقائية ولا مفتوحة إلى ما لا نهاية. أول الفرص هي أن العالم نفسه يعيش دورة “طلب دفاعي” على الذهب: المستثمرون وصناديق الذهب والبنوك المركزية يزيدون حضورهم في السوق مع استمرار عدم اليقين الجيوسياسي والمالي، وهو ما يجعل الأسعار—وفق توقعات مؤسسات دولية متخصصة—مرشحة لمفاجآت جديدة في 2026 حتى لو بقيت في نطاقات متذبذبة.
هذا المناخ يعني ببساطة: كل غرام يُصدَّر رسميًا في 2026 ستكون قيمته السياسية والمالية أعلى، لا لأنه ذهب، بل لأن العالم يريده أكثر.
الفرصة الثانية أن السودان بدأ—بحسب تقارير موثوقة—يتحرك لتقليل الاعتماد على بوابة واحدة في تصدير الذهب، عبر تفاهمات لبيع السبائك مباشرة لمصفاة سعودية حكومية. هذا التحول، إذا اكتمل عمليًا، يمكن أن يقلل “خصم السمعة” الذي يطارد ذهب الحرب، وأن يفتح باب تسعير وتحصيل أفضل للدولة، بشرط أن يرافقه نظام شراء رسمي منافس للسوق الموازي.
لكن كل فرصة هنا لها ظلٌّ ثقيل اسمه التهريب. أخطر ما في التهريب أنه ليس “جريمة أفراد”، بل اقتصاد كامل: من تعدين أهلي واسع النطاق، إلى سماسرة شراء نقدي، إلى شبكات نقل وتبديل هوية المعدن، إلى مراكز تكرير وتجارة تستطيع إدخاله في سلاسل توريد نظيفة ظاهريًا. تقارير بحثية ورقابية تشير إلى أن نسبة معتبرة من ذهب السودان تغادر خارج القنوات الرسمية سنويًا، وأن الوجهة الأبرز—مباشرة أو عبر دول وسيطة—تظل الإمارات بوصفها مركزًا عالميًا كبيرًا لتجارة الذهب.
وهنا يدخل العامل الذي يهم متخذ القرار: كيف يغذي الذهب استمرار الحرب؟
الجواب ليس في “طريق واحد” ولا “شحنة واحدة”، بل في نموذج تمويل شديد المرونة. حين تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق تعدين أو على حلقات في سلسلة القيمة—الموقع، الحراسة، الإتاوة، التحصيل—فهي لا تحتاج إلى بنك مركزي ولا إلى نظام مصرفي. الذهب يتحول إلى سيولة فورية يمكن بها دفع الرواتب، شراء الوقود، استقطاب ولاءات محلية، واستبدال العملة الوطنية المتآكلة بأصل عالمي يقبل التداول في أي مكان. هذا ليس توصيفًا دعائيًا؛ بل توصيف تكرر في تقارير تحليلية رصينة تناولت اقتصاد الحرب وعلاقة الأطراف المتحاربة بسوق الذهب الإقليمي، خصوصًا عبر شبكات ترتبط بدبي وغيرها.
في المقابل، الدولة لا تخوض فقط معركة عسكرية، بل معركة “سعر شراء”. طالما ظل الفارق كبيرًا بين ما يستطيع التاجر دفعه نقدًا في السوق الموازي وما تستطيع الدولة دفعه عبر قنواتها، سيظل الذهب يميل للتهريب حتى لو ارتفعت حصة الإنتاج الرسمي في الأوراق. لذلك يصبح الحديث عن “الاحتياطي” مهمًا ليس لأنه أرقام تحت الأرض، بل لأنه محاولة لإعادة تعريف الثقة: ثقة المستثمر، وثقة الممول، وثقة السوق في أن السودان قادر على تحويل المورد إلى سياسة.
لماذا الإعلان الآن؟ لأن الاحتياطي ليس مجرد معلومة؛ إنه أداة تفاوض.
الإعلان في لحظة ارتفاع الأسعار عالميًا يعطي انطباعًا بأن السودان يملك ما يجذب استثمارات ما بعد الحرب—خاصة في ظل حديث رسمي عن تحديث قواعد البيانات والتحول الرقمي وإطلاق برامج استكشاف جديدة.
كما أنه يرسل رسالة للفاعلين الخارجيين: السودان ليس فقط “ساحة حرب”، بل “ساحة موارد”؛ ومن يريد دورًا سياسيًا عليه أن يقرأ حسابات المورد.
أما دول السوق—الفاعلون الذين يحددون أين يذهب الذهب وبأي كلفة سياسية—فهم ليسوا دولة واحدة. هناك محور الطلب الكبير (الصين والهند) ومحور التسعير والتداول العالمي (لندن ونيويورك) ومحاور التكرير وإعادة التصدير (الإمارات وسويسرا) ومحاور ناشئة تحاول اقتناص دور أكبر في التسوية والتخزين مثل هونغ كونغ.
كلما اتسعت شبكة المراكز، زادت صعوبة تتبع ذهب الحرب، وزادت الحاجة إلى أدوات شفافية أقوى—لا بيانات عامة فقط.
وخلال العام المقبل، تبدو ثلاثة سيناريوهات دولية هي الأكثر تأثيرًا على السودان:
السيناريو الأول: أسعار مرتفعة مستقرة نسبيًا.
تستمر مشتريات البنوك المركزية وتظل المخاطر العالمية مرتفعة، فيبقى الذهب جذابًا دون انفجار سعري جديد. هذا السيناريو يمنح السودان فرصة لتعظيم العائد الرسمي إذا تمكن من تقليص التهريب، لكنه في الوقت نفسه يضمن استمرار “اقتصاد الذهب الموازي” إذا بقيت قنواته مفتوحة.
السيناريو الثاني: قفزة سعرية جديدة.
ارتفاع قوي يدفع المزيد من التعدين الأهلي ويزيد شهية شبكات التهريب ويُغري أطراف الحرب بمزيد من الاعتماد على الذهب. في هذه الحالة، الحرب لا تحتاج إلى انتصار لتستمر؛ تحتاج فقط إلى تدفق نقدي.
السيناريو الثالث: تصحيح سعري أو تذبذب حاد.
حتى في حالة تراجع الأسعار نسبيًا، قد لا يختفي التهريب، بل يتكيّف: تقل الأرباح لكن تستمر الشبكات، وتبحث الأطراف عن تعويض عبر زيادة الكميات أو تقليل التكلفة. وفي بلد متحارب، “المرونة” غالبًا ليست ميزة اقتصادية بل خطر أمني.
الخلاصة التي يجب أن تصل لصانع القرار ليست أن السودان يملك 1500 طن، بل أن السودان يواجه معادلة:
إذا أصبح الذهب قناة دولة—بتسعير منافس، شراء رسمي جذاب، تتبع، وتصدير متنوع—يمكن أن يقصّر أمد الحرب عبر تجفيف جزء من اقتصادها.
وإذا بقي الذهب قناة ظلّ—فإن ارتفاع الأسعار العالمي سيُترجم محليًا إلى إطالة زمن الصراع، لأن الموارد ستظل تدار خارج السياسة العامة، وتحت منطق السلاح لا منطق الدولة.
