الكاتب / زكريا علي عبدالرسول
لم يكن الهجوم على مستريحة مجرد تطور ميداني عابر في جغرافيا دارفور، بل لحظة سياسية فارقة تكشف عن تحول عميق في طبيعة الصراع السوداني. فمستريحة، المعقل التاريخي لـموسى هلال في شمال دارفور، ليست مجرد نقطة على الخريطة؛ إنها رمز لتوازنات قبلية وأمنية تراكمت عبر سنوات من التحالفات والصدامات. وعندما تُستهدف الرمزية، فإن الرسالة تتجاوز حدود الميدان.
الهجوم يعلن بوضوح أن الحرب دخلت طوراً جديداً، تُكسر فيه المحرمات غير المعلنة، وتسقط فيه مناطق “التحييد الضمني” التي كانت تُترك خارج دائرة الاستهداف المباشر حفاظاً على حد أدنى من الاستقرار الأهلي. هذا التطور لا يعكس فقط تصعيداً عسكرياً، بل يكشف عن استعداد لإعادة تشكيل الخريطة السياسية بالقوة الخشنة، حتى لو كان الثمن هو تفكيك ما تبقى من النسيج الاجتماعي.
- منطق القوة وحدوده:-
في الحسابات العسكرية البحتة، قد يُنظر إلى الهجوم باعتباره خطوة لإضعاف مراكز نفوذ تقليدية أو لإرسال رسالة ردع. لكن في السياق الدارفوري، حيث تتشابك السياسة بالقبيلة والسلاح بالهوية، فإن استهداف معقل ذي رمزية اجتماعية يُقرأ بسهولة باعتباره استهدافاً لكيان أوسع من الموقع نفسه. وهنا يكمن الخطر.
التاريخ القريب لدارفور يثبت أن توسيع رقعة الاشتباك داخل المربعات القبلية لا ينتج حسمًا سريعاً، بل يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. منها التعبئة الأهلية، خطاب المظلومية، واستدعاء سرديات الثأر، كلها أدوات جاهزة للاستخدام في بيئة متوترة أصلاً. وأي انزلاق في هذا الاتجاه يعني انتقال الصراع من مواجهة بين أطراف مسلحة إلى نزاع أهلي متعدد المستويات. - ارتدادات تتجاوز الجغرافيا:-
شمال دارفور ليست جزيرة معزولة. حدودها المفتوحة وتعقيداتها الاجتماعية يجعلان أي تصعيد فيه قابلاً للامتداد إقليمياً، سواء عبر تحركات عابرة للحدود أو عبر إعادة تنشيط شبكات السلاح والتحالفات القديمة. وعندها يصبح المشهد أكثر تعقيداً، وتتقلص فرص احتواء الأزمة داخل الإطار الوطني.
الأخطر أن مثل هذه العمليات تُضعف ما تبقى من ثقة بين المكونات المحلية، وتغلق النوافذ الضيقة التي ما زالت قائمة أمام أي مسار سياسي جاد. فالحروب لا تُدار فقط بالسلاح، بل أيضاً بحسابات الكلفة السياسية. وكلما اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل الرموز ومراكز الثقل الاجتماعي، ارتفعت كلفة العودة إلى الطاولة. - ما بين اختبار القوة ومقامرة التفكك:-
قد يرى البعض في الهجوم اختباراً للقوة وإعادة ترتيب للأوراق. لكن التجربة السودانية تشير إلى أن اللعب بورقة القبيلة مقامرة عالية المخاطر. إذ يصعب التحكم في مآلات الاستنفار الأهلي إذا انطلق، ويصبح الجميع أسرى ديناميات عنف لا تعترف بالخطوط التي رسمها السياسيون أو القادة الميدانيون.
السودان اليوم لا يحتاج إلى توسيع جبهاته، بل إلى تجفيفها. لا يحتمل انتقال الحرب إلى طور تصفية الحسابات الرمزية، لأن ذلك يعني ببساطة فتح الباب أمام تفكك أعمق للدولة والمجتمع معاً.
الهجوم على مستريحة ليس نهاية فصل، بل ربما بداية فصل أكثر تعقيداً. والسؤال الحقيقي ليس من ربح جولة ميدانية، بل من سيدفع ثمن الجولة التالية إذا تحولت دارفور مجدداً إلى ساحة صراع مفتوح بلا سقف سياسي ولا ضابط اجتماعي.
،،، سروري وخالص تحياتي،،،
