الإثنين, فبراير 23, 2026
الرئيسيةمقالاتمدرسة كلس… حين يصبح التعليم عدالة لا إحسانًا ...

مدرسة كلس… حين يصبح التعليم عدالة لا إحسانًا بقلم: أمين أحمد ودالريف

مدرسة كلس… حين يصبح التعليم عدالة لا إحسانًا
بقلم: أمين أحمد ودالريف

اكتمال وافتتاح مدرسة كلس لتعليم الأشخاص ذوي الإعاقة في محلية بربر ليس حدثًا إنشائيًا عابرًا، بل إعلان موقف أخلاقي وتنموي من الدولة تجاه واحدة من أكثر الشرائح احتياجًا للعدالة. التمويل الحكومي الكامل لهذا المشروع يؤكد أن الأمر ليس مبادرة خيرية، ولا استجابة ظرفية، بل التزام رسمي بأن التعليم حق أصيل لا يرتبط بقدرة الجسد ولا بسلامة الحواس.

غير أن الاحتفال بالبناء لا يكفي. التحدي الحقيقي يبدأ بعد قص الشريط. تعليم الأطفال ذوي الإعاقة يتطلب بيئة تربوية متخصصة، وكوادر مدرّبة، ومناهج مصممة وفق احتياجات كل فئة. ومن الضروري الفصل التربوي بين أنواع الإعاقات داخل المدرسة؛ فاحتياجات الطفل الكفيف تختلف جذريًا عن احتياجات الطفل الأصم، وتختلفان معًا عن احتياجات الطفل ذي الإعاقة الذهنية أو الحركية. الدمج العشوائي لا يحقق العدالة، بل قد يضعف جودة التعليم ويهدر الموارد.

كذلك، من المهم تصحيح المفهوم الشائع بين “الأشخاص ذوي الإعاقة” و”ذوي الاحتياجات الخاصة”. فليس كل من لديه احتياج خاص يعاني إعاقة، وليس كل شخص ذي إعاقة يُصنّف تلقائيًا ضمن برامج الاحتياجات الخاصة بالمعنى التربوي الضيق. الدقة في المصطلحات ليست مسألة لغوية، بل هي أساس التخطيط والسياسات، ومن دونها قد تُبنى برامج لا تعكس الواقع الفعلي لهذه الشريحة.

مدرسة كلس في بربر تمثل خطوة أولى على طريق طويل. هذه الفئة تحتاج إلى دعم مستمر من المحلية والولاية، ليس في التعليم فقط، بل في الخدمات الصحية المصاحبة، والدعم النفسي والاجتماعي، وبرامج التدريب المهني مستقبلاً. الاستثمار فيهم ليس عبئًا، بل استثمار في طاقات كامنة كثيرًا ما حُجبت خلف الصور النمطية.

وعند الحديث عن التمكين، لا يمكن تجاهل معاقي الحرب. فالحروب لا تخلّف دمارًا في البنية التحتية فقط، بل تخلّف أجسادًا وطاقات تحتاج إلى إعادة إدماج حقيقية. هؤلاء جزء من النسيج الاجتماعي، ومن حقهم أن يجدوا مكانهم في برامج التعليم والتأهيل، وأن يُنظر إليهم كقادرين على الإسهام لا كعبء إنساني.

التمكين الحقيقي لا يكتمل داخل أسوار المدرسة. إذا أردنا الانتقال من منطق الرعاية إلى منطق الحقوق، فيجب أن يكون للأشخاص ذوي الإعاقة، ومن بينهم معاقو الحرب، تمثيل واضح في البرلمان المقبل وفي مؤسسات السلطة التنفيذية. وجود صوتهم داخل مواقع صنع القرار هو الضمانة لاستدامة السياسات، وتصحيح الاختلالات، وحماية مكتسباتهم من التراجع.

مدرسة كلس في بربر تفتح بابًا مهمًا في جدار التهميش، لكنها تضع أمامنا مسؤولية أكبر: هل نكتفي ببناء مؤسسة تعليمية، أم نؤسس لثقافة دولة ترى في الأشخاص ذوي الإعاقة مواطنين كاملي الحقوق، شركاء في القرار، وصنّاع مستقبل؟

الإجابة ستتجلى ليس فقط في عدد الفصول، بل في قدرتنا على تحويل هذه الخطوة إلى مسار دائم من العدالة والمشاركة والكرامة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات