السبت, فبراير 21, 2026
الرئيسيةمقالاتعصام حسن علي يكتب ردود الفعل الشعبية في السودان: دعم واسع للبرهان رغم العقوبات الدوليةالحدود التي لا تهدأ: النوير، الدعم السريع، واحتمال انتقال النار إلى جوبا

الحدود التي لا تهدأ: النوير، الدعم السريع، واحتمال انتقال النار إلى جوبا


بقلم: أمين أحمد ودالريف

على المثلث الحدودي الذي يجمع السودان وجنوب السودان وإثيوبيا، لا تُرسم السياسة بخطوط مستقيمة. هناك تتحرك جماعة النوير، أكبر تمركزها في جنوب السودان مع امتداد معتبر في إقليم غامبيلا الإثيوبي، وتعبر موسميًا إلى الأراضي السودانية للرعي. هذا الامتداد ظل لعقود جزءًا من إيقاع الحياة، لكنه في زمن الحرب تحوّل إلى مسار تعبئة.

في حرب السودان، برز دور عناصر نويرية في مساندة قوات الدعم السريع على بعض الجبهات الطرفية. ليس باعتبارهم كتلة سياسية موحدة، بل كجزء من شبكات محلية وعابرة للحدود تتحرك وفق منطق التحالف المرن. في ساحات مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث تتقاطع المجتمعات وتضعف قبضة الدولة، يصبح الانخراط أقل كلفة وأكثر قابلية للتبدل. هذا النمط يمنح الدعم السريع نفسًا بشريًا إضافيًا، ويمنح الحرب قدرة على الاستمرار خارج حسابات الجيوش النظامية.

غير أن المسألة لا تتوقف عند الخرطوم. بعد الأحداث الأخيرة في ولاية أعالي النيل، خاصة في الناصر ومناطق شرق النيل الأبيض الجنوبي، عاد “الجيش الأبيض” إلى واجهة المشهد في جنوب السودان. السيطرة في تلك المناطق لم تعد مستقرة بالكامل لصالح الحكومة المركزية في جوبا، بل خضعت لمعادلات محلية متقلبة بين قوات حكومية ومجموعات شبابية مسلحة ذات غالبية نويرية. هذا التوتر الداخلي يجعل أي تحالف عسكري عابر للحدود ذا أثر مضاعف.

الطبقة الأكثر حساسية في المشهد تقع في غرب إثيوبيا. وجود تجمعات نويرية كبيرة في غامبيلا، مع تقارير عن معسكرات تدريب قريبة من الحدود الثلاثية، يضيف بُعدًا لا يمكن تجاهله. أي معسكر خارج إطار الدولة ينتج ولاءات وتنظيمًا وقدرة تعبئة. وفي بيئة متداخلة إثنيًا وسياسيًا، يكفي أن تتلاقى المصالح حتى يتحول الامتداد الاجتماعي إلى شبكة عسكرية عابرة.

هنا يظهر الخطر الكامن: التحالف الذي يخدم الدعم السريع في السودان قد يجد صداه جنوبًا إذا توفرت الظروف. جنوب السودان يقف أصلًا على أرض سياسية رخوة؛ تأجيلات انتخابية، انقسامات داخل النخبة، وسلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة. إذا عاد مقاتلون بخبرة وتنظيم من ساحة السودان، أو إذا شعر جناح سياسي في جوبا بأن ميزان القوة يميل ضده، فإن إعادة توظيف التحالف نفسه داخل الجنوب يصبح احتمالًا واقعيًا.

التحالفات العابرة للحدود لا تبقى محايدة. ما يبدأ دعمًا لجبهة في السودان يمكن أن يتحول—تحت ضغط الاستقطاب—إلى عامل ترجيح في صراع السلطة في جوبا. عندها لن يكون الأمر مجرد ارتداد أمني، بل إعادة تشكيل لميزان القوة داخل دولة لم تستكمل احتكارها للعنف.

بالنسبة للسودان، التحدي ليس في شيطنة جماعة عابرة للحدود، بل في فهم أن استمرار التحالفات غير النظامية يطيل أمد الحرب ويُعقّد مسارات الحسم. كلما اتسعت شبكة المساندة غير الرسمية، تراجع أفق التسوية. وبالنسبة لجنوب السودان، فإن السماح باستمرار هذا التشابك يعني إبقاء الباب مفتوحًا أمام دورة عنف جديدة.

النوير اليوم ليسوا مجرد عنوان إثني في نشرات الأخبار. هم متغير إقليمي في معادلة حربين محتملتين. وإذا لم تُدار هذه اللحظة بحذر، فقد تتحول الحدود التي كانت يومًا مسارات رعي إلى خطوط نار تمتد من أطراف السودان إلى قلب جوبا.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات