إنّ في قلب العاصمة التي أرهقتها الحرب، وفي خاصرة الوجع الممتدة بين الذاكرة والدم، وقف أهل بري موقفاً سيُسجَّل في دفاتر الوعي قبل أن يُكتب في عناوين الصحف. فلم يكن ما حدث إعتراضاً أو رفضاً في شارع من شوارع الخرطوم، بل كان لحظة فاصلة عبّرت عن تحوّل عميق في ضمير الناس، وعن يقظةٍ جمعيةٍ لم تعد تقبل أن يُعاد إنتاج الفوضى تحت أي مسمّى.
حين حاول شخصان يُنسبان إلى تحالف قوى الحرية والتغيير إعادة مشهد “تتريس الشوارع” وإغلاق أحد الطرق الرئيسية في بري، ظنّا أن الذاكرة قصيرة، وأن الناس قد يلتبس عليهم الفرق بين الاحتجاج السلمي وبين تحويل الأحياء إلى رهائن، تُغلق فيها الطرق حتى في وجه الحالات الإنسانية والضرورات الحياتية. غير أن أهل الحي قالوا كلمتهم بوضوحٍ لا لبس فيه: لا عودة إلى الفوضى.
لقد خبر السودانيون، خلال سنوات قحط العصيبة، كيف تحوّلت بعض أشكال الحراك إلى أدوات تعطيلٍ ممنهج، وكيف استُخدمت الشوارع ساحةً للابتزاز السياسي، فدفع المجتمع كله كلفة الانسداد والانقسام. واليوم، بعد أن ذاق الناس مرارة الحرب، وتجرّعوا تبعات الانفلات الأمني الذي غذّته حسابات سياسية ضيقة، لم يعد مقبولاً أن يُختطف الحي مرة أخرى باسم الشعارات.
ردة فعل أهل بري لم تكن فعلاً غاضباً مجرداً ومتجرداً من المعنى، بل كانت تعبيراً عن إرادةٍ تحرس نفسها بنفسها. لقد رفضوا أن يُغلق شارعهم، وأن تُشلّ حياتهم، وأن يُعرّض مرضاهم وأطفالهم وطلابهم لمصيرٍ مجهول بسبب نزوةٍ سياسية. وحين تدخّلوا بحزم وقوة وتعنيف لمن سوّلت له نفسه تكرار الفوضى ثم سلّموا المتسببين إلى القوات النظامية، فإنهم كانوا يعلنون انحيازهم الصريح إلى دولة القانون، لا إلى شريعة الغاب.
في هذا الموقف تتجلّى دلالة أكبر ، أن المزاج العام في السودان تغيّر. فلم تعد الشعارات الثورية كافية لتبرير الفوضى، ولم يعد الانتماء السياسي حصانةً ضد المساءلة الأخلاقية. لقد أعلن الشعب، في مواقف متعددة منذ اندلاع الحرب، دعمه لـ القوات المسلحة السودانية بوصفها صمام الأمان في وجه التمرد المسلح الذي قادته قوات الدعم السريع، وما ارتبط به من خطابٍ سياسيٍ ملتبس ومواقفٍ أربكت الشارع.
إن أهل بري، وهم يرفضون عودة “التتريس”، إنما يرفضون إعادة تدوير الأزمة، ويرفضون أن تكون أحياؤهم منصاتٍ لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج لماضي أسود ، لقد قالوا بلسان الحال: كفى. كفى انسداداً، كفى فوضى، كفى متاجرةً بمعاناة الناس.
ولعمري، ما فعله أهل هذا الحي العريق لم يكن موقفاً محلياً ضيقاً، بل كان مرآةً تعكس توجهاً وطنياً أوسع؛ وتوجهاً يريد سوداناً ما بعد الحرب سودان دولةٍ لا دولة شوارع مغلقة، سودان مؤسساتٍ لا منصات صراع، سودان انتماءٍ صادقٍ لا ولاءاتٍ تمت للضمير السوداني بصلة .
لقد عبّروا عن معنى الوطنية حين ربطوا بين أمن حيّهم وأمن وطنهم، وبين انضباط الشارع واستقرار الدولة. وأضافوا، بموقفهم المدني الحاسم، صفحةً جديدة إلى صفحات الصمود التي يكتبها السودانيون كل يوم، في الجبهات كما في الأحياء، وفي ميادين القتال كما في ساحات الحياة اليومية.
وهكذا، من قلب بري، ارتفعت رسالة واضحة: لا مكان لفوضى تُلبس ثوب السياسة، ولا موطئ قدم لنهجٍ يعيد البلاد إلى دوامة الانقسام. إن السودان الذي يدفع اليوم كلفة الحرب، إنما يتعلّم درس الدولة، ويسترد عافيته بإرادة أبنائه، ويؤسس لمرحلةٍ عنوانها الانضباط، وعمادها الوعي، وغايتها وطنٌ لا يُغلق فيه طريقٌ على حياة الناس.
