بقلم: أمين أحمد ودالريف
تبدو بربرة، على الساحل الشمالي لأرض الصومال، مدينةً يمكن أن تمرّ عليها العين كخبرٍ محلي: رصيف بحري، طريق لوجستي، ومشروع “منطقة اقتصادية”. لكن من يقرأ القرن الأفريقي بعين الجيوبوليتيك يدرك أن بربرة ليست ميناءً فقط؛ إنها “ورقة سيادة” تُلعب داخل سوقٍ جديد اسمه: التجارة المؤمَّنة بالسلاح، والاعتراف السياسي الذي تُنتجه اللوجستيات لا الدبلوماسية.
حين أطلقت “دي بي ورلد” خط شحن منتظمًا يربط جبل علي ببربرة كل تسعة أيام، لم تكن تضيف مسارًا بحريًا فحسب، بل كانت تُدرج بربرة داخل شبكة قرار اقتصادية خليجية تتحرك خارج الخرائط التقليدية للاعتراف الدولي. في هذه اللحظة، يصبح السؤال أقلّ عن عدد الحاويات، وأكثر عن معنى أن تتحول مدينة في كيان غير معترف به إلى “بوابة شرق أفريقيا” في خطاب رسمي صادر من دبي.
ثم جاء ما هو أكبر من الميناء: اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر 2025. الاعتراف هنا ليس مجرد سابقة قانونية؛ إنه نقلٌ للملف من خانة “نزاع داخلي صومالي” إلى خانة “ترتيبات أمن البحر الأحمر” بكل حساسياتها الشرق أوسطية. فالقضية لم تعد: هل تستحق أرض الصومال الاعتراف؟ بل: من يملك حق إدخال لاعب جديد إلى ممرّ بحري صار جزءًا من معادلة الردع بين اليمن والقرن الأفريقي، وبين القوى الإقليمية واللاعبين الدوليين.
وبين الاقتصاد والسياسة، هناك طبقة ثالثة لا تحب العناوين: العسكرة. بربرة ليست “رصيفًا محايدًا” في لحظة البحر الأحمر الراهنة. تقارير سابقة تحدثت عن ترتيبات عسكرية إماراتية في بربرة مرتبطة بعمليات اليمن، بما يجعل المدينة مثالًا على تداخل الاستثمار مع الأمن—حين يتحول المطار/الميناء إلى أصل مزدوج الاستخدام. وهذه الازدواجية هي التي تجعل الاعتراف الإسرائيلي يهبط على المنطقة كحجر ثقيل: لأن أي تغيير في شرعية المكان يعيد فتح سؤال: لمن تُستخدم هذه العقدة الساحلية؟ وبأي ضمانات؟ وعلى حساب من؟
لكن بربرة لا تُفهم دون أديس أبابا. قبل عام من الاعتراف الإسرائيلي، كانت إثيوبيا ترفع سقف خطاب “المنفذ البحري” إلى مستوى وجودي، وتبحث عن نافذة على البحر الأحمر بوصفها شرطًا للمستقبل. مذكرة التفاهم الإثيوبية–أرض الصومال مطلع 2024، وما أثارته من غضب مقديشو، ثم “إعلان أنقرة” الذي رعته تركيا لخفض التوتر، يوضح أن بربرة ليست مدينة ساحلية بقدر ما هي نقطة تماس بين ثلاث شرعيات: شرعية الدولة الصومالية المعترف بها، وشرعية الأمر الواقع في هرجيسا، وشرعية الحاجة الاستراتيجية في أديس أبابا.
هنا يدخل الخليج من بابٍ مختلف: ليس كوسيط سياسي، بل كمهندس بنية تحتية يتحول تلقائيًا إلى لاعب سيادي. وهذا بالضبط ما يجعل التنافس السعودي–الإماراتي أكثر حدّة مما يبدو في البيانات. فالتنافس لم يعد يدور حول “من يملك نفوذًا أكبر”، بل حول نموذجين متصادمين لإدارة الإقليم: نموذج يميل إلى العمل عبر الحكومات المركزية وتثبيت شرعية الدولة، ونموذج يراهن على الشبكات المرنة—موانئ، مناطق حرة، خطوط شحن، وعلاقات متعددة المسارات—حتى لو كان ذلك على حساب حساسية السيادة في العواصم الهشة.
عندما تتسع فجوة الرؤيتين، يصبح القرن الأفريقي مسرحًا طبيعيًا للتنافس: لأنه يجمع كل ما يحتاجه النفوذ الحديث—موانئ على باب المندب، دولًا متعبة ماليًا، كيانات غير معترف بها تبحث عن شركاء، واحتكاكات حدودية قابلة للاشتعال. وفي هذا الإطار، لا تُقرأ بربرة كمدينة؛ تُقرأ كـ“مفتاح”. المفتاح الذي يفتح باب التجارة… وباب الاعتراف… وباب العسكرة في الوقت نفسه.
ثم تأتي “زاوية غير مطروقة” غالبًا في الخطاب العربي: أن الاعتراف الإسرائيلي لا يضيف لاعبًا فحسب، بل يرفع تكلفة كل لاعب آخر. فقد شهد القرار موجة رفض واسعة من دول ومنظمات، ما يعني أن أي طرف خليجي أو إقليمي يتعامل مع بربرة سيُسأل الآن—في العلن أو في الغرف المغلقة—عن موقعه من هذه السابقة، وعن حدود تماهيه مع إعادة هندسة الخريطة السيادية في القرن الأفريقي. بعبارة أخرى: التنافس على الموانئ صار يحمل فاتورة سياسية جديدة، لا تُدفع في بربرة وحدها، بل في عواصم البحر الأحمر كلها.
وهنا تحديدًا يظهر السودان. لأن السودان ليس بعيدًا عن بربرة كما توحي الخرائط؛ هو أقرب مما نظن داخل منطق “سلسلة البحر الأحمر”. كلما زادت عسكرة هذا الممر، ارتفعت قيمة السواحل والموانئ والعمق اللوجستي—ومن بينها الساحل السوداني. وكلما اشتد التنافس السعودي–الإماراتي على ترتيب الإقليم، زادت احتمالات أن يصبح السودان ساحة ترجمة لهذا التنافس: مرة عبر الاستثمار، ومرة عبر السياسة، ومرة عبر الضغوط المتبادلة حول الشرعية والأمن.
الخطر على الخرطوم ليس أن تختار “هذا الطرف أو ذاك”، بل أن تُدار ملفاتها بمنطق رد الفعل فتتحول إلى ملحق في لعبة أكبر. لذلك، الدرس الذي تقدمه بربرة للسودان ليس بحريًا فقط، بل مؤسسي: الميناء الذي لا تحكمه دولة قوية يتحول إلى قرار خارجي. والاستثمار الذي لا تحكمه شفافية يتحول إلى نفوذ سياسي. والخطاب الذي لا يوازن بين الشرعية والسيادة يصبح ثغرة تُستغل.
ما الذي ينبغي أن يفعله السودان، إذا أراد أن يتعلم من بربرة بدل أن يدفع ثمنها؟ أولًا، فصل الاقتصاد عن الأمن بصرامة: استقبال الاستثمارات على أساس عقود معلنة ومعايير سيادية تمنع الاستخدام المزدوج “الرمادي”. ثانيًا، تحصين ساحله ضمن إطار أوسع للبحر الأحمر يخفف الاستقطاب—لأن عسكرة الممر دون قواعد مشتركة ستجعل كل ميناء هدفًا سياسيًا قبل أن يكون أصلًا اقتصاديًا. ثالثًا، بناء قدرة إنذار مبكر تربط التحولات في القرن الأفريقي (الاعترافات، المذكرات، خطوط الشحن، ترتيبات القواعد) بأثرها المباشر على السودان، بدل انتظارها كخبر متأخر.
بربرة، في النهاية، ليست قصة مدينة تبحث عن ازدهار. إنها قصة إقليم يعيد ترتيب نفسه عبر مفردات جديدة: الميناء بدل السفارة، خط الشحن بدل البيان، والعقد اللوجستية بدل الحدود. ومن لا يقرأ هذا التحول في وقته، سيجد نفسه—مثل كثيرين—يُجادل في النتائج بعدما تكون القواعد قد كُتبت بالفعل.
