الكاتب الاستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
لست من الذين يحبون الخوض في الحديث عن اتفاقية جوبا للسلام ،الموقعة في اكتوبر من العام ٢٠٢٠م بين الحكومة ممثله في مجلس السيادة وحركات الكفاح المسلح تحت مسمي الجبهة الثوريه ، تلك المفاوضات التي اعتمدت مبدأ تقسيم الازمة السودانية في مجملها الي مسارات جغرافية وخاضت تفاوضا حتي توصلت إلي اتفاق لم يرض الكثير من ساكني تلك الاقاليم والتي عرفت بالمسارات التفاوضية ( مسار دافور – الشمال- الوسط – والشرق- المنطقتين).
مايهمني هنا هو مسار دارفور وما تمخض عنه من اتفاق هش لايرقي إلي حلحلة ربع الازمة الآنيه ناهيك عن تلك التي تراكمت تاريخيا منذ العام ١٩١٦م بعد سقوط السلطنة الفدرالية ، فتلك الاتفاقية اقل ماتوصف انها ناقشت قضايا وازمات لحركات مسلحه بعينها دون النظر الي ازمة الاقليم بعمق . واكتفت بالبحث عن حلول للازمة الناتجه عن الحرب بين تلك الحركات والنظام القائم وقتذاك ، انها قضايا ازمه لا تمت الي قضايا الاقليم بصله، بل ركزت علي مناقشة قضايا منسوبي تلك الحركات علي المستوي الاعلي ولم تعير اهتماما حتي علي قضايا منسوبيها من الدهماء المتمثل في تطبيق بند الترتيبات الامنيه لثلاثة سنوات خلت الي ان اندلعت حرب ابريل ٢٠٢٣م.
فيما يلي اقليم دارفور فقد نصت الاتفاقية علي ادارة الاقليم بنظام حكم شبه ذاتي او فدرالي علي سدته حاكم لهذا الاقليم يتولي حماية الاقليم ارضا وشعبا واشاعة الامن بين القري والبوادي وبسط هيبه الدوله وفتح الطريق لعودة النازحين الي تلك القري تمهيدا للتعايش السلمي واعمار ما دمرته الحرب، مختزلة كل ذلك في شعار ( السلام سمح)…ذلك السلام المفقود الذي لم ينعم به انسان الاقليم منذ اندلاع الحرب في ٢٠٠٣م وحتي بعد اتفاقية السلام في جوبا.
إن الواقع علي الارض والحالة المزريه التي يعيشها انسان الاقليم في ظل وجود حاكم غائب ميدانيا عن الاقليم واهله ، يطرح تساؤلات حول جدوي وجوده من عدمه.ففي السياسة، لا يكفي أن تحمل صفة حاكم كي تكون حاكماً. فالحاكم الحقيقي هو من يسيطر علي الارض ويدير ويحمي ويحاسب من تسول له نفسه الاعتداء علي الاخرين او يعيس فسادا في مقدرات الشعب اقتصاديا وامنيا ويحصد الارواح ظلما والحاكم في ثبات . فالبقاء في منصب حاكم الاقليم بينما الأرض قد سحبت من تحت قدميك شبرا شبرا ومورست في حق السكان ابادات ببشاعة شهدت لها كبري المنظمات، ووثقتها الكاميرات.فالبقاء في المنصب في هكذا حال ليس تمسكا بالشرعية، بل تمسكا باللافتة التي كتبت عليها المسمي الوظيفي بالخط العريض أيا كان موقع تلك اللافته فلا ضير ان تكون في بورتسودان او اي مدينه اخري من مدن السودان واكثر بعدا عن مدن الاقليم.
إصرار مني أركو مناوي على البقاء حاكماً لإقليم دارفور، في ظل واقع ميداني متشظ وخارطة سيطرة مضطربة، لم يعد مسألة إجرائية أو بروتوكولية؛ بل أصبح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً مباشرا :- من يحكم من؟ ومن يمثل ماذا؟
الشرعية التي يستند إليها مناوي مستمدة من اتفاق سياسي وقرار مركزي. لكن الشرعية في زمن الانهيار لا تُقاس بالتوقيع، بل بالقدرة علي البقاء وفق منصوص الاتفاق زمانا ومكانا.
اتفاقيات السلام لا تُعطي حصانة أبدية، ولا تمنح شيكا مفتوحا للبقاء في السلطة مهما تبدلت الوقائع. فإذا كانت السلطة الإقليمية عاجزة عن فرض الأمن، أو إدارة المؤسسات، أو حتى التحرك بحرية داخل الإقليم، فماذا تبقى من معنى الحكم؟
الأخطر من ذلك أن المنصب تحوّل إلى عنوان تفاوضي أكثر منه موقعا تنفيذيا لمتابعة الشأن اليومي لخدمات سكان الاقليم . إذن الاصرار علي البقاء فيه ربما يمنح السيد مناوي ثقلا سياسياً في أي معادلة قادمة باسم الاتفاقية وليس باسم الاقليم ، ويُبقي صاحبه داخل طاولة الترتيبات الكبرى علي نحو ماحدث في التشكيل الوزاري لحكومة كامل إدريس ومايجري الان حول تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي . لكن السؤال: هل دارفور منصة تفاوض؟ أم كيان يحتاج إلى إدارة فعلية؟
حين يصبح المنصب أداة لتعزيز الموقع الشخصي في المعادلات الوطنية، فإن الإقليم يتحول إلى ورقةللضغط، لا إلى أولوية. وهنا يكمن جوهر الأزمة.
ثم ماذا عن التعيينات والتمثيل؟
في ظل هذا الفراغ، برزت شكاوى من اختلالات في التعيين، وغياب توازن عادل بين مكونات الإقليم. فإذا كانت السلطة عاجزة ميدانيا، ثم انها تعاني إداريا من غياب العدالة في توزيع المواقع، فإنها تكون قد فقدت ركيزتي الحكم وهما السيطرة والثقة.
اما الحديث عن مجلس تشريعي إقليمي، بينما أجزاء واسعة من الإقليم خارج السيطرة، يبدو أقرب إلى بناء سقف لمنزل بلا جدران. أي تشريع سيُطبّق؟ وأي رقابة ستُمارس؟ التشريع بلا أرض يُنفذ عليها يصبح تمرينا نظريا لا أكثر.
المشكلة ليست في شخص مناوي وحده، بل في نموذج سياسي كامل يُبقي على المناصب حتى بعد أن تتآكل وظائفها.فيصبح نموذجا يقدّم الصفة على الممارسة، ويُراكم الألقاب بينما تتراجع الدولة.
لكن الجرأة تقتضي قول ما هو أبعد من ذلك.
فالتمسك بالموقع في ظل هذا الواقع قد لا يكون دفاعا عن دارفور، بل دفاعا عن دور سياسي في معادلة ما بعد الحرب. وقد يكون الرهان الحقيقي ليس على استعادة السيطرة، بل على ضمان مقعد في التسوية القادمة.
دارفور اليوم تحتاج إلى سلطة فعل، لا سلطة لقب. تحتاج إلى قيادة تُخضع نفسها للمساءلة، لا إلى قيادة تكتفي بشرعية ماضية.
في لحظات الأزمات الكبرى، يُختبر القادة بقدرتهم على مواجهة الحقيقة. والحقيقة القاسية تقول إن الحكم بلا أرض ليس حكما، وإن الشرعية التي لا تُترجم إلى قدرة تتحول إلى غطاء هش آييل للسقوط في اي لحظة.
سيظل السؤال الذي ينتظر إجابة واضحةمن السيد حاكم الاقليم: هل بقاءك في المنصب حتي هذا التاريخ يعتبر خدمة لدارفور التي لم تعد ارضا تحت سيطرتك… أم هي خدمة لمعادلة سياسية ذات اهداف ضييقة لاتخدم قضايا الاقليم.
،،ودمتم في امان الله وحفظه،،
