ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدول هي الأخطاء، بل الاعتداء المتعمّد على القانون، لا سيما حين يصدر ذلك من موقعٍ يُفترض فيه أن يكون حارسًا للقانون لا خصمًا له. والواقعة المنسوبة إلى أحد أعضاء مجلس السيادة، والمتعلقة بالتعامل مع موظفٍ عام في مصلحة الأراضي بولاية الخرطوم ، بسبب معاملة ذات طابع شخصي، تضعنا أمام مشهد بالغ الخطورة إن ثبتت تفاصيله كما تداولتْها المصادر.
فبحسب ما أُفيد، طُلب من موظفٍ إكمال إجراءٍ يتعارض صراحةً مع القانون واللوائح الحاكمة للعمل. وحين التزم الموظف بواجبه القانوني ورفض تمرير المعاملة، لم يُقابل موقفه بالحماية التي يكفلها له القانون، بل وُوجه بالتعنيف اللفظي، والإذلال الوظيفي، ثم أُقصي من عمله بقرار تعسفي لا يستند – في ظاهره – إلى أي مسوغ قانوني مشروع.
وهنا لا نتحدث عن خلاف إداري بسيط في مكتب حكومي ، ولكن عن شبهة تسيئ استعمال السلطة، وهي من أخطر الانتهاكات في الفقه الإداري والقانون الدستوري؛ إذ تقوم حين تُستخدم الصلاحيات العامة لتحقيق مصلحة خاصة، أو للانتقام من موظفٍ أدى واجبه وفق القانون.
وتبرز أسئلة لا يمكن القفز فوقها:
• هل يملك أي مسؤول تنفيذي، مهما كان موقعه الدستوري، سلطة تعطيل نصوص القانون أو تجاوز اللوائح المنظمة للعمل العام؟
• وهل يجوز – قانونًا وأخلاقًا – معاقبة موظفٍ بسبب امتناعه عن ارتكاب مخالفة، بل ومعاقبته بالطرد، وهي أقصى الجزاءات الوظيفية، دون تحقيقٍ أو مسارٍ قانوني سليم؟
• ثم، السؤال الذي يمس جوهر العدالة: هل تُطبّق القواعد بمعيارٍ واحد، أم أن هناك من يُحصّنه موقعه، فيُغتفر له ما لا يُغتفر لغيره؟
إن القاعدة المستقرة في كل النظم القانونية الرشيدة تقرر أن الموظف العام ملزم بتطبيق القانون، وغير ملزم بطاعة الأوامر غير المشروعة، بل إن امتناعه عن تنفيذها واجب، لا جريمة. وأي إجراء يُتخذ ضده بسبب هذا الامتناع يُعد قرارًا معيبًا بعيب إساءة استعمال السلطة، مستوجبًا الإلغاء والمساءلة.
الأخطر من الواقعة نفسها هو الصمت عنها. فالتغاضي عن مثل هذا السلوك لا يسيء لموظفٍ بعينه، بل يضرب فكرة الدولة في صميمها، ويبعث برسالة مدمّرة لكل موظف شريف مفادها:
“التزامك بالقانون على مسؤوليتك”.
ومع ذلك، فإن هذه الحادثة – مهما بلغت فداحتها – قد تكون شرًا انطوى على خير، إذا أحسنت الدولة التعامل معها. فهي اختبار حقيقي للعودة إلى المؤسسية، ولإعلاء حكم القانون فوق الأشخاص، ولإثبات أن القيادة لا تحتمي بالمواقع، بل تخضع للمساءلة.
إن الرأي العام، وهو يراقب، وينتظر موقفًا واضحًا لا لبس فيه من مجلس السيادة وحكومة الخرطوم:
موقفًا يوضح حقيقة ما جرى، ويحدد المسؤوليات، ويبيّن الإجراءات المتخذة وفق القانون، قبل أن تتحول الواقعة إلى شامة سوداء في خد القيادة ورأس الدولة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:
ما مصير ذلك الموظف الذي أدى واجبه بأمانة؟ هل يُترك ضحيةً لتجاوزٍ لا ذنب له فيه، أم يُنصف ويُعاد اعتباره بوصفه نموذجًا يُحتذى في احترام القانون؟
ونؤكد إن الدول لا تُبنى بالمجاملات، ولا تُحفظ بالهيبة المصطنعة، بل بالعدل حين يواجه النفوذ، وبالقانون حين يسمو على الجميع.
